السخاء والجود في سبيل الله تعالى

السخاء والجود في سبيل الله تعالى

قال الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

وقال سبحانه: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8].

فمدح سبحانه اهل الايثار وان كان بهم خصاصة، والمعطين (1) الطعام على حبه، قيل: على حب الطعام، وقيل: على حب الله تعالى، ويجوز أن يكون على حبهما معاً، وهذه الآية نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم بلا خلاف.

وقال النبي (صلى الله عليه وآله): “السخي قريب من الله، قريب من الناس، [قريب من الجنة] (2)، وبعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، [بعيد من الجنة] (3)، قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من العابد البخيل (4).

ولا فرق بين الجود والسخاء، ولا يسمّى الله تعالى بالسخي لعدم التوقيف على ذلك من كلامه او كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وجلّ كلام العلماء.

وقال علي بن الحسين (عليهما السلام): “انّي لأبادر إلى قضاء حاجة عدوّي خوفاً أن يقضيها له غيري او أن يستغني” (5).

وقال آخر: ما أحبّ أن أرد أحداً عن حاجة، اما أن يكون كريماً فأصون عرضه، أو لئيماً فأصون عرضي.

وقال رجل لرجل: من أين أنت؟ فقال: أنا من المدينة، فقال له: لقد أغنانا رجل منكم سكن عندنا وذكره له، فقال له: انّه أتاكم ولا مال له، فقال: ما أغنانا بماله ولكن علّمنا الكرم فجاد بعضنا على بعض.

وروي انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أتاه طالب في حاجة فقال له: اكتبها على الأرض فانّي أكره أن أرى ذلّ السؤال في وجه السائل (6).

وجاء رجل إلى الرضا (عليه السلام) فقال: يا ابن رسول الله قد نفذت نفقتي ولم يبق معي ما يوصلني إلى أهلي، فأقرضني وأنا أتصدق به عنك، فدخل داره وأخرج يده من الباب وقال: خذ هذه الصرّة ـ وكان فيها مائتي دينار ـ وقال: لا حاجة لنا إلى صدقتك، فقال له: يا ابن رسول الله لم لا تخرج وجهك؟ فقال: نحن أهل بيت لا نرى ذلّ السؤال في وجه السائل (7).

وسأل رجل الحسن بن عليّ (عليهما السلام) شيئاً فأعطاه خمسين ألف درهم

وأعطى الجمال طيلسانة وكراه وقال: تمام المروّة إعطاء الاُجرة لحمل الصدقة.

وقيل انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بكى يوماً فسألوه عن سبب بكائه فقال: لنا سبعة أيام لم يأتنا ضيف (8). وما كانوا يبنون بيتاً إلاّ وفيه موضع الضيافة، وضيف الكريم كريم. وأربعة أشياء لا ينبغي للرجل أن يأنف منها، قيام الرجل في مجلسه لأبيه وإجلاسه فيه، وخدمة الرجل لضيفه، وخدمة العالم لمن يتعلّم منه، والسؤال عما لا يعلم، وكانوا يخدمون الضيف فإذا أراد الرحيل لم يعينوه على رحيله كراهة لرحلته، وأعظم الجود الايثار مع الضرورة الشديدة، كما آثر آل محمد عليه وعليهم السلام بالقرص عند حضور افطارهم وباتوا مطوين، فمدحهم الله سبحانه وتعالى بسورة هل أتى.

قال مصنّف هذا الكتاب: ينبغي للعبد أن يكون الغالب عليه الايثار، والسخاء، والرحمة للخلق، والاحسان إليهم، فإنّ هذه أخلاق الأولياء، وهو أصل من اُصول النجاة والقرب من الله تعالى، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: “السخاء شجرة من شجر الجنة من تعلّق بغصن (9) منها فقد نجى”.

وقال جبرئيل (عليه السلام): “قال الله تعالى: هذا دين ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلاّ السخاء وحسن الخلق، فالزموهما ما استطعتم” (10).

وقال (عليه السلام): “جبل الله أولياءه على السخاء وحسن الخلق” (11).

وقالوا: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ فقال: السخاء وحسن الخلق، فألزموهما تفوزوا.

وقال (صلى الله عليه وآله): “الرزق إلى السخي أسرع من السكين إلى ذروة البعير، وانّ الله تعالى يباهي بمطعم الطعام الملائكة” (12).

وقال: “خلقان يحبهما الله: السخاء وحسن الخلق، وخلقان يبغضهما الله: البخل وسوء الخلق (13). ولقد جمع الله تعالى ذلك في قوله: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

وروي انّ بني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لاموه في كثرة عطائه، فقال: يا بني انّ الله عوّدني أن يمدني وعوّدته أن أجود به على خلقه، فأخاف أن أقطع العادة فيقطع (14) المادة.

وروي انّه دخل ذات يوم إلى حائط له وفيه عبد لجاره وبين يديه ثلاثة أقراص، فدخل إليه كلب فرمى له بواحد ثم الآخر ثم الآخر، فقال له: هلاّ أكلت منها وأطعمته؟ فقال: انّه غريب جائع فآثرته على نفسي، فقال عبد الله: تلوموني على السخاء وهذا أسخى منّي، ثم اشتراه وأعتقه وملكه الحائط (15).

والعجب لمن يبخل بالدنيا وهي مقبلة فإنّ الجود لا يفنيها، أو هي مدبرة فإنّ البخل لا يبقيها، ولقد أحسن من قال:

إذا جادت الدنيا عليك فجد بها *** على الناس طراً قبل أن تتفلّت

فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت *** ولا البخل يبقيها إذا هي ولّت

وروي انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لكميل بن زياد: “يا كميل مر أهلك أن يروحوا في المكارم، ويدلجوا في حاجة من هو نائم، فوالذي وسع سمعه الأصوات ما من أحد أودع قلباً سروراً الا وخلق الله من ذلك السرور لطفاً، إذا نابته نائبة انحدر عليها كالسيل في انحداره، فيطردها كما يطرد غرائب الإبل” (16)

وقال (عليه السلام): “تنافسوا إلى المكارم، وسارعوا إلى الغنائم، واعلموا انّ حوائج الناس اليكم من نعمة الله تعالى (17) عليكم، وأجود الناس من يعطي من لا يرجوه، ومن نفّس عن مؤمن كربة نفّس الله عنه اثنين وسبعين كربة من كرب الدنيا، واثنين وسبعين كربة من كرب الآخرة، ومن أحسن أحسن الله إليه، والله يحب المحسنين”.

وقال (عليه السلام): “من تيقّن انّ الله يخلف ما ينفقه لم يمسك عن الانفاق”.

وروي انّ الشمس كل يوم تطلع على قرني ملك ينادي: “اللهم عجّل لكل منفق خلفاً، ولكل ممسك تلفاً” (18).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “من أكرم الضيف فقد (19) أكرم سبعين نبياً، ومن أنفق على الضيف درهماً فكأنّما أنفق ألف ألف دينار في سبيل الله عز وجلّ”.

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): “أتدري ما الشحيح؟ قلت: هو البخيل، قال: الشح أشد من البخل، انّ البخيل يبخل بما في يده والشحيح على ما في أيدي الناس وعلى ما في يديه حتّى لا يرى في أيدي الناس شيئاً إلاّ تمنّى أن يكون له بالحلّ والحرام، ولا يشبع ولا ينتفع (20) بما رزقه الله” (21).

وللبخيل ثلاث علامات: يخاف من الجوع، ويخاف من سائل يأتيه، ويرحب باللسان مع اخوان الخير، وللسخي ثلاث علامات: العفو بعد القدرة،

واخراج الزكاة، وحب الصدقات.

وقال النبي صلى الله عليه وآله: لما خلق الله الجنة قالت: يا رب لمن خلقتني؟ قال: لكل سخيّ تقيّ، قالت: رضيت يا رب (22).

وقيل: انّ رجلاً سأل الصادق عليه السلام فقال: يا ابن رسول الله ما حد التدبير والتبذير والتقتير؟ فقال: التبذير أن تتصدّق بجميع مالك، والتدبير أن تنفق بعضه، [والتقتير أن لا تنفق من مالك شيئاً] (23)، فقال: زدني بياناً يا ابن رسول الله. [قال:] (24) فقبض صلى الله عليه وآله قبضة من الأرض وفرّق أصابعه ثم فتح كفّه فلم يبق في يده شيئاً، فقال: هذا التبذير، ثم قبض قبضة اُخرى وفرّق أصابعه فنزل البعض وبقي البعض فقال: هذا التدبير، ثم قبض قبضة اُخرى وضمّ كفّه حتّى لم ينزل منه شيء فقال: هذا التقتير.

وقال (عليه السلام): “المؤمن من كان بماله متبرّعاً وعن مال غيره متورّعاً”.

وقال (عليه السلام): “السخاء اسم شجرة في الجنة ترفع يوم القيامة كل سخي إلى الجنة بأغصانها، والبخل اسم شجرة في النار تقود بأغصانها كل بخيل إلى النار” (25).

وقال (عليه السلام): “رأيت على باب الجنة مكتوب: أنت محرمة على كل بخيل ومرائي وعاق ونمّام”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في “ب” و”ج”: المطعمين.
أثبتناه من “ج”.
أثبتناه من “ج”.
عنه معالم الزلفى: 322; ونحوه في مجموعة ورام 1: 171؛ وروضة الواعظين: 385.
في البحار 78: 207 ح 64، عن ابي عبد الله عليه السلام نحوه.
عنه مستدرك الوسائل 7: 238 ح 8131.
الكافي 4: 23 ح 3; عنه البحار 49: 101 ح 19 بتفصيل أكثر.
راجع إحياء العلوم للغزالي 3: 239، حكايات الأسخياء.
في “الف”: ببعض منها.
مجموعة ورام 1: 170.
مجموعة ورام 1: 170.
مجموعة ورام 1: 171.
مجموعة ورام 1: 170 نحوه.
في “ج”: فتنقطع.
مجموعة ورام 1: 173 نحوه.
نهج البلاغة: قصار الحكم 257؛ عنه البحار 74: 318 ح 82.
في “الف” و “ج”: من نعمته.
كنز العمال 6: 374 ح 16122 نحوه.
في “ب”: فكأنّما.
في “ب” و”ج”: يقنع.
تحف العقول: 277; عنه البحار 78: 256 ح130.
عنه مستدرك الوسائل 7: 18 ح 7526؛ ومعالم الزلفى: 322.
أثبتناه من “ج”.
أثبتناه من “ج”.
مجموعة ورام 1: 170 نحوه؛ ومعالم الزلفى: 322.

المرجع الالكتروني للمعلوماتية

Loading