حقوق الوالدين في السُّنة النبوية
نشر من قبل الحكمة في 06:39 صباحا - 22 05 1445 هـ (04 12 2023 م)

احتلت مسألة الحقوق عموماً وحقوق الوالدين على وجه الخصوص مساحةً كبيرةً من أحاديث ووصايا النبي الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك للتأكيدات القرآنية المتوالية ، وللضرورة الاجتماعية المترتبة على الاِحسان إليهما


تفاصيل الخبر

حقوق الوالدين في السُّنة النبوية

احتلت مسألة الحقوق عموماً وحقوق الوالدين على وجه الخصوص مساحةً كبيرةً من أحاديث ووصايا النبي الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك للتأكيدات القرآنية المتوالية ، وللضرورة الاجتماعية المترتبة على الاِحسان إليهما، خصوصاً وأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم اضطلع بمهمةٍ تغييرية كبرى تتمثل باعادة تشكيل وعي جديد ومجتمع جديد .

ولما كانت الاَُسرة تشكل لبنةً كبيرة في البناء الاجتماعي ، وجب رعاية حقوق الوالدين القيِّمَين عليها ، وبدون مراعاة ذلك ، يكون البناء الاجتماعي متزلزلاً كالبناء على الرَّمل .

وعليه ، فقد تصدّرت هذه المسألة الحيوية سلّم أولويّات التوجيه النبوي ، بعد الدعوة لكلمة التوحيد ، فقد ربط النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين رضا الله تعالى ورضا الوالدين ، حتى يعطي للمسألة بعدها العبادي ، وأكد ـ أيضاً ـ بأنّ عقوق الوالدين هي من أكبر الكبائر ، وربط بين حب الله ومغفرته ، وبين حب الوالدين وطاعتهما ، فعن الاِمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام : «إنّ رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله ما من عمل قبيح إلاّ قد عملته فهل لي من توبة ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «فهل من والديك أحد حيٌّ» ؟ قال : أبي ، قال : «فاذهب فبره» . قال : فلمّا ولّى ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لو كانت أُمّه» (1).

____________

(1) بحار الانوار 74 : 82 .

وعن الاِمام الصادق عليه السلام قال : «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : يا رسول الله مَنْ أبِرُّ ؟ قال : أُمَّكَ ، قال : ثم مَنْ ؟ قال : أُمَّكَ ، قال : ثم مَنْ ؟ قال: أُمَّكَ ، قال : ثم مَنْ ؟ قال : أباك» (1).

وفي التوجيه النبوي : من حق الوالد على الولد ، ان يخشع له عند الغضب ، حرصاً على كرامة الآباء من أن تُهدر ، وفوق ذلك ، فقد اعُتبر التسبب في شتم الوالدين من خلال شتم الولد للآخرين كبيرة من الكبائر ، تستحق الاِدانة والعقاب الاخروي . ثم ان البَّر بهما لا يقتصر على حياتهما فيستطيع الولد المطيع ان يبَّر بوالديه من خلال تسديد ديونهما أو من خلال الدعاء والاستغفار لهما ، وغير ذلك من أعمال البرَّ .

لقد جسّد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه التوصيات على مسرح الحياة ، ففي الوقت الذي كان يحث المسلمين على الهجرة ، ليشكل منهم نواة المجتمع التوحيدي الجديد في المدينة ، وفي الوقت الذي كان فيه المسلمون قلائل بالآحاد ، تروي كتب السيرة ، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : جئت أبايعك على الهجرة ، وتركت أبويّ يبكيان . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «إرجع اليهما فاضحكهما كما أبكيتهما» (2).

ومن الشواهد الاخرى ذات الدلالة القوية ، على تأكيد السيرة النبوية على رعاية حق الوالدين ، أنّ أختاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الرضاعة زارته يوماً ، فرحَّب بها ترحيباً حاراً ، وأكرمها غاية الاِكرام ، ثم جاء أخوها إليه ، فلم يصنع معه ما صنع معها من الحفاوة والاِكرام ، فقيل له : يا رسول الله :

____________

(1) أُصول الكافي 2 : 167 | 9 باب البر بالوالدين .

(2) التّرغيب والترهيب 3 : 315 .

صنعت بأخته ما لم تصنع به ، وهو رجل ! فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «إنّها كانت أبرَّ بأبيها منه» (1) .

وهكذا نرى أنّ التوجه النبوي يجعل ميزان القرب والبُعد مرتبطاً بمدى رعاية المرء لحقوق والديه .

ولا يفوتنا في نهاية هذه الفقرة ، ان ننوه بالمكانة التي يوليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم للاَم ، ويكفي شاهداً على ذلك قوله (ص): «الجنة تحت أقدام الامهات» (2).

____________

(1) بحار الانوار 74 : 82 .

(2) كنز العمال 16 : 461 | 45439 .

المصدر

https://holynajaf.com/