42/02/02 (19 سبتمبر 2020)
القائمة الرئيسية

 

عدد زوار الشبكة
copy html code
احصائيات الزوار
Flag Counter
شبكة التقوى الاسلاميه

البحث في الموقع

نهضة الإمام الحسين عليه السلام
محرم الحرام

نهضة الإمام الحسين عليه السلام


     أما نهضة الحسين عليه السلام فهل هي وليدة الانفجار النفسي؟ كماء يغلي في قدر مقفل إذا لم يلق البخار المتصاعد منه منفذاً للخروج يؤدي إلى انفجار القدر بتأثير ازدياد درجة الحرارة؟

     إن الإسلام اختلف عن بعض النهضات التي جاء نتيجة انفجارات خاصة، فالفكر الدياليكتيكي يوصي بتصعيد التناقضات وإثارة الاستياء وتعميق الخلافات أكثر فأكثر وإبداء المعارضة للإصلاحات الواقعية لدفع المجتمع إلى الثورة بمعناها الانفجاري لا الثورة الواعية.

     إن الإسلام لا يؤمن مطلقاً بمثل هذه الثورة، وقد كانت الثورات أو النهضات الإسلامية كلها وليدة وعي وإدراك كاملين للواقع الذي جاءت لتغييره، وإن ثورة الحسين عليه السلام لم تكن وليدة الانفجار ولم تكن عملاً بعيداً عن الوعي ولم تنشأ نتيجة نفاذ صبر الحسين علية السلام بسبب الضغوط الكثيرة التي كانت تمارس من قبل الأمويين وعمالهم أيام معاوية وابنه يزيد بحيث تؤدي به إلى أن يثور ويقول: فليكن ما يكن ! كلا لم تكن نهضة الحسين عليه السلام بمثل ذلك، ويدل على هذا الرسائل المتبادلة بينه وبين معاوية وابنه يزيد من بعده.

     بالإضافة إلى الخطب التي أوردها في مجالات مختلفة خاصة تلك التي خاطب بها صحابة الرسول (ص) وهم مجتمعون في منى. وقد نقل حديث هذه الخطبة بصورة مفصلة في كتاب تحف العقول، إن الأدلة المشار إليها كلها تبين أن الإمام الحسين عليه السلام ثار وهو مدرك كاملاً سبب قيامه ولم تتدخل في نهضته عوامل الانفجار النفسي مطلقاً، بل كانت ثورة إسلامية محضة.

     والحسين عليه السلام إذا نظرنا إلى كيفية تعامله مع أصحابه أثناء عزمه على القيام نرى أنه يتحاشى الاستفادة من أي عامل من العوامل التي تؤدي إلى حدوث الانفجار النفسي والعاطفي ولا يسمح بأن تنطبع نهضته بالطابع الانفجاري من ذلك محاولاته العديدة في مناسبات مختلفة لصرف أصحابه عن الاشتراك معه في نهضته التي كان على علم مسبق بنتيجتها، فكان يكرر عليهم قوله أن لا منافع مادية أمامهم في مسيرتهم تلك وأنه لا ينتظرهم غير الموت المحتم، وفي ليلة العاشر من محرم نراه عليه السلام يمتدح أصحابه فيقول بأنهم خير الأصحاب، ويكرر عليهم بأنه هو المطلوب من الحكم الأموي وليس غيره، ويؤكد لهم بأنهم لو تركوه لوحده فلن ينالهم سوء من الأمويين ويخيرهم بين البقاء والذهاب وأخذ أهله لإبعادهم عن الصحراء التي هو فيها.

     لا نجد زعيماً يريد استثمار استياء وتذمر قومه لدفعهم إلى النهوض والثورة يتكلم بما قاله الحسين عليه السلام لأصحابه، صحيح أن مسئوليته هي إشعار قومه بأنهم مكلفون شرعاً بالنهوض بوجه الحكم الجائر، وبالتأكيد أن مكافحة الظلم والجور من واجب الناس، إلا أنه عليه السلام كان يهدف أن يقوم أصحابه مخيرين بأداء ذلك التكليف عن طوع إرادتهم غير مرغمين عليه، لذلك نراه يؤكد عليهم باستغلال سواد الليل وترك ساحة المعركة والابتعاد عن العدو الذي لا يرغمهم على القتال إن هم فعلوا ذلك أنه هو عليه السلام لا يريد إجبارهم على البقاء معه، وأكد الحسين عليه السلام على أصحابه

     أيضاً بأنهم في حل من بيعته إن هم أرادوا تركه ووضعهم أمام ضمائرهم، فإن هم شعروا بأنهم على حق فعليهم اختيار الحق دون إكراه من جانبه عليه السلام أو من جانب العدو، إن اختيار شهداء كربلاء الأوائل البقاء مع الحسين عليه السلام بالرغم من تكرار الإمام عليهم لعدة مرات مسألة الذهاب، هو الذي منح هؤلاء الشهداء المنزلة الرفيعة التي هم عليها الآن، أما في الحرب التي شنها طارق بن زياد ضد الأسبان نراه يبادر فور عبوره بأسطوله المضيق، المسمى الآن باسمه، بإعطاء الأوامر لجنده بإبقاء ما يكفيهم من الزاد لأربع وعشرين ساعة فقط وإحراق الباقي وإحراق سفن اسطوله معها ثم يجمع الجند والقادة فيقول لهم بأن العدو من أمامهم والبحر من ورائهم والفرار يجعل مصيرهم الغرق وهم لا يملكون الطعام إلا لسويعات فلا نجاة لهم إلا في قتال العدو والفوز عليه وإبادته، إن الذي فعله طارق بن زياد هو عمل قائد سياسي، بينما الإمام الحسين عليه السلام لم يخوف أصحابه بالبحر والعدو ولم يرغمهم على دخول الحرب بجانبه كما أن العدو نفسه لم يكن ليجبرهم على القتال لو أرادوا تركوا المعركة، لقد خير الحسين عليه السلام أصحابه بالبقاء أو الذهاب دون أي إكراه.

     حقاً لقد كانت ثورة الحسين عليه السلام قائمة على الوعي والإدراك الكاملين بضرورتها سواء عنده هو أو عند أهل بيته أو لدى أصحابه، ولا يمكن لمثل هذه الثورة أن يقال عنها بأنها وليدة الانفجار النفسي أو العاطفي مطلقاً، ولمثل هذه الثورة الواعية حقائق وماهيات متعددة ومختلفة وهي ليست أحادية الكنه والحقيقة.

     ومن الفوارق الموجودة بين الظواهر الطبيعية والاجتماعية أن الطبيعية منها تكون أحادية الحقيقة فالمعدن الواحد، والذي هو من الظواهر الطبيعية لا يمكن أن يكون ذهباً أو نحاساً في آن واحد، ولكن في الظواهر الاجتماعية يوجد احتمال استيعاب الظاهرة الواحدة لعدة حقائق أو ماهيات، و الإنسان بذاته هو إحدى العجائب التي يمكن أن تجتمع فيه حقائق متعددة.

     وفي هذا يقول " سارتر " الفيلسوف الوجودي المشهور، بأن وجود الإنسان يسبق حقيقته أو ماهيته، وهو صادق في هذا القسم من كلامه، بالإضافة إلى ذلك فإن الإنسان يمكن أن يمتلك ماهيات متعددة في آن واحد، كأن تكون له ماهية الملاك وماهية الخنزير وماهية النمر، كل ذلك في وقت واحد ولهذا قصة عظيمة في الثقافة والعلوم الإسلامية.

     ومن هذا المنطلق، يمكن القول بأن الظاهرة الاجتماعية، يحتمل أن تكون لها حقائق وماهيات مختلفة، وثورة الإمام الحسين - عليه السلام - من هذه الظواهر ذات الحقائق المتعددة، لأن عوامل عدة شاركت في إنضاج وتحقيق هذه الثورة، فمثلا هناك ثورة يمكن أن تكون رد فعل على شيء معين، وأن تكون ثورة بدائية في نفس الوقت. وقد تكون الثورة ذات رد فعل إيجابي على تيار معين وآخر سلبي بوجه تيار آخر، وقد توفرت كل هذه الحقائق في ثورة الإمام الحسين عليه السلام، وهي بذلك نهضة ذات ماهيات متعددة.

     إن العامل الأول في نهضة الإمام الحسين عليه السلام من حيث الزمان كان طلب الأمويين البيعة منه ليزيد. فقد بعث معاوية رسولاً إلى المدينة المنورة بهدف الحصول على بيعة الحسين لإبنه يزيد، وأراد بذلك أن يضمن له (أي ليزيد) بيعة المسلمين قبل أن يوافيه الموت. لقد أراد معاوية أن يسن بذلك سنة لكي يتسنى لكل خليفة تعيين الخليفة القادم في حياته، فالبيعة معناها القبول بالخلافة والإذعان بصحتها لذلك بعث يطلب من الحسين عليه السلام البيعة لكي يبارك خلافة إبنه بها.

     ولكن ماذا كان رد الحسين عليه السلام على هذا الطلب؟ وطبيعي أن يكون الرد بالرفض، فالحسين سبط الرسول وسيد شباب أهل الجنة والمعروف بالتقوى والزهد وبديهي منه أن يقول "لا" لبيعة يزيد.

     لقد طلبوا من الحسين عليه السلام أن يبايع لكنه أجابهم بالرفض، فهددوه فقال لهم بأنه يفضل أن يقتل على أن يعطي يده لبيعة يزيد. وإلى هذا الحد تكون نهضة الحسين رد فعل من النوع السلبي على طلب غير مشروع أو بتعبير آخر رد فعل أساسه التقوى وحقيقته نابعة من كلمة "لا إله إلا الله" التي توجب على المؤمن بها والمتقي أن يقول لا أمام كل طلب غير مشروع.

     إن ذلك الرفض لم يكن العنصر الوحيد للنهضة الحسينية، بل كان بازائه عنصر آخر يظهر حقيقة النهضة الحسينية بأنها رد فعل من نوع إيجابي في هذه المرة. ويتوضح هذا العنصر في هلاك معاوية إذ تعود إلى أذهان أهل الكوفة ذكريات مضت عليها عشرون عاماً فتتجسد أمام أعينهم حكومة على عليه السالم في تلك الفترة، وفي هذه المدينة، فها هي آثار تعاليمه وتربيته ما زالت ماثلة، ولو أن الكثير من أصحابه قد شملتهم التصفيات الأموية وبالأخص العديد من رؤوس هؤلاء ورجالاتهم البارزين من أمثال حجر بن عدي وعمرو بن حمق الخزاعي ورشيد الهجري وميثم التمار، فلقد قضى الأمويون على كل هؤلاء بهدف إخلاء المدينة من فكر علي ومن مشاعر علي وأحاسيسه، ولكن ما زالت هناك آثار تعاليم علي باقية بحيث سرعان ما يهلك معاوية يجتمع أهل الكوفة فيتفقون على رفض تقديم الخلافة إلى يزيد ويقولون: ما زال الحسين عليه السلام موجوداً فلنوجه له الدعوة ولنستعد لنصرفه حتى يقدم إلينا ليقيم الخلافة الإسلامية، إنهم يوجهون الكتب إلى الحسين عليه السلام وكلها تشير إلى استعداد القوم التام للترحيب بمقدمه، تستعد الكوفة، مقر جيش المسلمين، لاستقبال الحسين عليه السلام فلم يكن الذين دعوه شخصاً واحداً أو شخصين أو عشرة ما وصلته ثمانية عشر ألف رسالة احتوت كل رسالة منها على تواقيع العديد من الأشخاص وصلت إلى عشرين توقيع في بعض الرسائل. وهذا يجعل مجموع الذين دعوا الحسين عليه السلام في حدود المائة ألف شخص فما عساه أن يفعل أمام كل هذه الدعوات، لقد أتموا الحجة عليه، هذا هو رد الفعل الإيجابي، وحقيقة حركة الإمام حقيقة متوازنة، أي أن أعداد من المسلمين بدءوا هذا العمل وعلى الحسين عليه السلام أن يعطيهم الرد بالإيجاب.

     كان الواجب في البداية يحتم على الإمام الحسين عليه السلام أن يعلن رفضه القاطع لبيعة يزيد وأن يجنب نفسه الطاهرة من ذلك الدنس الذي أرادوا تلويثه به، لذلك فلو أنه عليه السلام كان يقبل باقتراح ابن عباس ويلجأ إلى جبال اليمن للعيش فيها لكان يصبح بعيداً عن أن تطاله أيدي عساكر يزيد ولكان أيضاً قد أدى الواجب الأول. أن تقوى الإمام عليه السلام كانت توجب عليه أن يرفض تقديم البيعة ليزيد، وكان من الممكن أن يتحقق الرفض باختياره عليه السلام الذهاب إلى جبال اليمن، الشيء الذي اقترحه ابن العباس وغيره عليه، وكان ذلك كافياً لأداء الواجب الملقى على عاتقه، ولكن وبما أن المسألة هنا تتعلق بالدعوة الموجهة إليه عليه السلام من قبل ما يربو على المائة ألف شخص مسلم وهذا يشكل واجباً جديداً على الحسين عليه السلام الالتزام بأدائه، لذلك كان لزاماً على الإمام أن يلي الدعوة ويتم الحجة ولو أن الحسين عليه السلام كان منذ الوهلة الأولى لحركته يعلم بأن أهل الكوفة ليس لديهم الاستعداد وأنهم أناس خاملون ويستولي عليهم الخوف. لكنه كان يرى نفسه مسؤولاً بأن يعطي للتاريخ الجواب الصحيح. فلو أنه عليه السلام كان يترك أهل الكوفة لحال سبيلهم دون أن يرد عليهم لأصبحنا نحن اليوم نقف معترضين عليه بالقول: لماذا لم يجب الحسين هؤلاء.

     كان يجب أن يتحمل أهله جزءاً من أعباء الثورة في نقل نداء الحسين عليه السلام، فاختار هو أن تكون القضية أشد إثارة وحرارة ما زال الأمر وصل إلى ذلك الحد، وكان الهدف هو أن يكون غرس الثورة غرساً مثمراً ويستمر في الإثمار الدائم لكي يعم خيره العالم أجمع. فأي مشاهد رأت كربلاء؟ وأية ساحات ظهرت في كربلاء؟ إنها جميعاً مثار للعجب وباعث على الحيرة والدهشة.


المصدر :
حوزة الهدة للدراسات الاسلامية

الشهيد الشيخ مرتضى المطهري

http://www.alhodacenter.com/ashora/details.php?id=3050

translate this site
chose your language
click trans
  
الوقت الآن
الدخول
الاسم

كلمة السر



نسيت أو فقدت كلمة السر؟
يمكنك الحصول على كلمة جديدة من هنا.
استبيان الأعضاء
مارأيك بالشبكة بعد التطوير؟







يجب تسجيل الدخول للتصويت.
آخر تواجد للأعضاء
الحكمة 3 أيام
مشرف عام 1 أسبوع
المشرف العام 86 أسابيع
السيد كرار 398 أسابيع
Erronryoscito 497 أسابيع
benaelmo 498 أسابيع
vitrya 498 أسابيع
baenals 498 أسابيع
walcfaus 498 أسابيع
jaggche 498 أسابيع

الزيارات غير المكررة: 14,233,822 وقت التحميل: 0.01 ثانية