.

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست
 

الشرح

الحديث الثلاثون: أقسام القلوب  

بيان مصدر أقسام القلوب ومراتبها

مقدمة الترغيب في إصلاح النفس

في بيان حالات القلوب

في بيان وجه حصر أقسام القلوب

بيان مكائد الشيطان

في بيان أن قلب المؤمن أزهر

الغفلة عن الحق تبعث على انتكاسة القلب

بيان قلب المنافق، واختلافه مع قلب المؤمن

الشرح

الحديث الواحد والثلاثون: ان الله لا يوصف  

العلم بحقيقة الأسماء والصفات غير ميسور

بيان المقصود من عدم توصيف الحق المتعالي

بيان معنى قوله عليه السلام

ان العلم بحقيقة الانبياء ليس بالفكر

في إشارة إجمالية إلى معنى التفويض

بيان معنى تفويض الأمر إلى الرسول

في بيان حقيقة العصمة

في الإشارة إلى مقام الأئمة

في بيان أن الإيمان لا يوصف

 

الحَــديث الثَـلاثـون

"أقسام القلوب"

[ 551 ]

بسندي المتّصل إلى ثقة الإسلام محمَّد بن يعقوب الكلينيِّ - رضوان الله عليه- من عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمَّد بن خالد، عن أبيه، عن هارون بن الجَهْم، عن المفضَّل، عن سَعْدٍ، عن أبي جعفرٍ عليه السلام قالَ: "إنَّ القُلوبَ أرْبَعَةٌ: قَلْبٌ فيه نَفاقٌ وَإيمانٌ وَقَلْبٌ مَنْكوسٌ، وَقَلْبٌ مَطْبُوعٌ، وَقَلْبٌ أزْهَرُ أجْرَدُ. فَقُلْتُ مَا الأزْهَرُ؟ قَالَ: فِيهِ كَهَيْئَةِ السِّرَاجِ، فَأَمَّا الْمَطْبُوعُ فَقَلْبُ المُنَافِقِ، وَأمَّا الأزْهَرُ فَقَلْبُ المُؤْمِنِ، إنْ أعطاهُ شَكَرَ وَإنْ ابتُلاَهُ صَبَرَ، وَأمَّا الْمَطْبُوعُ فَقَلْبُ المُشْرِك، ثُمَّ قَرَأَ هذِهِ الآيَةَ:[أَفَمَنْ يَمْشي مُكِباً عَلى وَجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشي سَويّاً عَلى صِراطً مُسْتَقيمٍ] فَأَمَّا الْقَلْبُ الَّذي فيه إيمانٌ وَنِفاقٌ فَهُمْ كانُوا بِالطّائِفِ فَإنْ أدْرَكَ أحَدَهُمْ أجَلُهُ عَلى نِفَاقِهِ هَلَكَ، وَإنْ أدْرَكَهُ عَلى إيْمَانِهِ نَجا" (1)

ـــــــــــــــ

(1) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب في ظلمة قلب المنافق، ح2.

[ 552 ]

الشرح:

 "المنكوس" أي المقلوب يقال: نَكَسْتُ الشَّيْءَ أنْكُسُهُ نَكْساً: قَلَبْتُهُ على رَأْسِهِ، وفي الصحاح الْوَلَدُ المَنْكُوسُ: الَّذي يَخْرُجُ رِجْلاَهُ قَبْلَ رَأْسِهِ، وقريب إلى هذا المعنى ما في الآية الشريفة "مُكِبّاً عَلى وَجْهِه" وقد استشهد عليه الصلاة والسلام بهذه الآية، لأن الإكباب هو السقوط على الوجه، وهو كناية عن أن قلوب أهل الشرك، مقلوبة، وإن حركتهم وسيرهم تكون على غير الصراط المستقيم، كما يأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.

و"المطبوع" أي الْمَخْتومُ، وَالطَّبْعُ بِالسُّكونِ: الخَتْمُ، وَبالتَّحْرِيكِ الدَّنَسُ وَالْوَسَخُ. فإذا كان بمعنى المختوم كان كناية عن عدم تغلغل كلمة الحق والحقائق الإلهية في قلوبهم، ورفضها لتقبل تلك الحقائق، ولا يكون بمعنى أن الحق سبحانه يحجب ألطافه الخاصة عن تلك القلوب، وإن كان هذا التفسير أيضاً صحيحاً. ولكن المعنى الأول هو الأنسب.

و"الأزْهَرُ": الأبْيَضُ الْمُسْتَنيرُ كَما عَن "النِّهَايَةِ". وفي "الصِّحاح": (الأَزْهَرُ: الْنيّرُ وَيُسَمَّى الْقَمَرُ الأَزْهَرَ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِِ: الأَزْهَرَانِ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَرَجُلٌ أزْهَرُ أيْ أبْيَضُ مُشْرِقُ الْوَجْهِ وَالْمَرْأَةُ: الزَّهْرَاءُ).

و"الأجْرَدُ": الَّذِي لَيْسَ فِي بَدَنِهِ شَعْرٌ. وفي "الصِّحاح": الجُرْدُ: فَضاءٌ لا نَباتَ فيهِ. وهذه كناية من عدم تعلّق قلبه بالدنيا أو من خلوّه من الغلّ والغشّ.

[ 553 ]

ونحن سنذكر ما يتناسب والمقام عند شرحنا للحديث الشريف، ضمن مقدمة وفصول عديدة.

مقدمة

في الترغيب من إصلاح النفس

إعلم أن للقلب في شريعة الإسلام ولدى الحكماء والعرفاء، معانٍ مختلفة، وأن بيان حقيقة القلب والمصطلحات المختلفة فيه، ومراتب القلوب ودرجاتها، خارج عن وظيفة هذا الكتاب، وغير ناجع لنا كثيراً أيضاً. فالأحسن أن نقتصر أيضاً على ذلك الغموض الموجود في الروايات الشريفة، المشتملة على ذكر القلب ونتجاوزه، كما فعلته تلك الروايات. ونذكر ما هو لنا هامّ وضروري .

لابد من معرفة أن السعي في سبيل إصلاح القلب الذي يكون في صلاحه أو فساده أساس السعادة والشقاء، أهمّ من البحث عن حقيقة القلب وعن المصطلحات الرائجة فيه(1)، بل قد يسبّب الانشداد إلى المصطلحات الواردة في القلب، والأبحاث المذكورة من حوله، والغور فيها، الغفلة عن القلب نهائياً والتأخر في إصلاحه، وإنه قد يصير أستاذاً في شرح حقيقة القلب وماهيّته والمصطلحات المذكورة من قبل الحكماء والعرفاء في القلب، ولكن قلبه والعياذ بالله سيكون مقلوباً ومنكوساً. مثل الإنسان الذي يعرف خصائص الأدوية وآثارها الضارة أو النافعة، ويشرح كل واحد من ذلك بصورة جيدة، ولكنه لا يكون على حذر من الأدوية الضارة، ولا ينتفع من الأدوية المجدية، فمن المسلّم أن مصير إنسان كهذا رغم إلمامه الواسع بالأدوية، الهلاك، ولن ينقذه علمه أبداً.

إننا ذكرنا سابقاً بأن العلوم بأسرها تكون للعمل، حتى علوم المعارف الإلهية حيث لها انعكاسات عملية أيضاً. ونقول هنا بأن علم أحوال القلوب وكيفية صحّتها ومرضها وصلاحها وفسادها، من العلوم التي تعدّ مقدمة للعمل، وأداة لعلاج القلب

ـــــــــــــــ

(1) إعلم أنه ليس المقصود من هذا العرض عدم جدوى علم الأخلاق ومنجيات النفس ومهلكاتـها، بل المقصود أن يكون مقدمة للعمل وليس بشيءٍ مستقل حتى يستنزف منا الوقت في سبيل تجميع المصطلحات ويمنعنا من بلوغ الهدف(منه عفى عنه).

[ 554 ]

وإصلاحه. وأما الإحاطة بهذه الأمور واستيعابها لا يعتبر من الكمالات الإنسانية.

إذن لابد للإنسان أن يركّز انتباهه على إصلاح القلب، ويجعل مبتغاه، إكماله حتى ينال منتهى السعادة الروحانية، والمراتب العالية الغيبية. وإذا ما كان هو أيضاً من أصحاب العلوم والدقائق والحقائق، لكان همّه الوحيد في غضون سيره في الآفاق والأنفس تحسين حالاته النفسية، فلو كانت الحالة النفسيّة من المهلكات لأصلحها، ولو كانت من المنجيات لبذل الجهد في سبيل تكميلها.

فصل

في بيان مصدر أقسام القلوب ومراتبها

إعلم أن التقسيم المذكور في الحديث الشريف للقلوب، تقسيم كلي ومجمل، وأن لكل قسم من القلوب الأربعة مراتب ودرجات، سواء كان من ناحية الشرك والنفاق أو من ناحية الإيمان والكمال. ومن الظاهر أن هذا التقسيم للقلوب يكون على أساس تبلورها وتحركها حسب التحرك المعنوي دون التحرك من منطلق الفطرة والسجيّة، حتى لا يحصل التهافت والتضارب بين هذه الرواية التي تقسم القلوب، وبين أخبار الفطرة التي تقول بأن كل قلب ومولود يولد على فطرة التوحيد، وإن الشرك والنفاق طارئان وعرضيان، رغم صحة القول بأن الشرك والنفاق أيضاً من الفطرة على ضوء بعض البيانات حيث يكونا نتاج ظروف تربوية واجتماعية ترتبط بالفطرة، من دون أن يؤدي مثل هذا الكلام إلى الجبر المستحيل كما لا يبقى مجال حينئذٍ للتضارب بين روايات الفطرة وهذه الرواية التي نحن بصدد شرحها.

ولكن الاحتمال الأول - مصدر أقسام القلوب التحرك المعنوي- هو الأقرب إلى البرهان والأصوب إلى الاعتبار. وقد سبق منا القول بأن الإنسان مادام موجوداً في هذا العالم - عالم الهيولى والتغير والتبدل الجوهري والصوري والعرضي- يستطيع أن ينقذ نفسه من كل مرتبة من مراتب النقص والشقاء والشرك والنفاق، ويبلغ بها مراتب الكمالات والسعادات الروحية والروحانية.

[ 555 ]

ولا يتضارب هذا المعنى المذكور، مع الحديث المعروف "الشَّقِيُّ شَقِيٌّ في بَطْنِ أُمِّهِ" (1) لأن الحديث الشريف لا يدل على أن السعادة والشقاء ذاتيان للإنسان غير قابلين للجعل - بالجعل المركب - بل يدل على معنى ينسجم مع الدليل والبرهان، حيث ثبت في محله أن الشقاء عائد إلى النقص والعدم، والسعادة إلى الكمال والوجود، وإن ما يمتّ إلى الشجرة الطيبة الوجود فهو من الذات الحق المقدس، إما على أساس طريقة أفضل المتأخرين، وأكمل المتقدمين، نصير الملّة والدين خواجة نصير الدين الطوسي قدس الله نفسه، من تسلسل الأسباب والمسببات. وإما على أساس طريقة أعظم الفلاسفة بصورة مطلقة الشيخ صدر المتألهين من الظاهر والمظهر والوحدة والكثرة. وإن ما يعود إلى النقص والعدم فهو من شؤون الشجرة الخبيثة الماهية التي هي دون مستوى الجعل.

ونستطيع أن نقول بأن المقصود من "بطن الأم" الذي تستند السعادة والشقاء إليه، حسب ما ورد في الحديث الشريف، هو عالم الطبيعة المادية، حيث يكون أُمّاً لكل شيء مادي ومشيمة لتربية ما هو من الطبيعة، ولا نستطيع أن نفسر بطن الأم حسب المتفاهم لدى الناس - من رحم الأم - لأن الظاهر من الرواية هو السعادة الفعلية في بطن الأم، مع العلم بأن السعادة التي تعد من الكمالات والفعاليات، لا تتوفر للنفوس الهيولائية على نحو الفعلية فعلاً، وإنما تكون على أساس الاستعداد والأهلية والقوة، وعليه يكون الظاهر من الحديث هو أن السعيد، يكون في بطن أُمّه سعيداً بالفعل، في حين أن الدليل الفلسفي يقودنا إلى السعادة على نحو بالقوّة. فلا بد من مخالفة ظاهر الحديث الشريف.

ولمّا كان شرحنا للحديث متطابقاً مع البراهين، كان من المتعين تفسير الحديث الشريف على ضوء ما بيناه أو ما يؤول إليه.

وعلى أي حال إن الإسهاب في هذا الموضوع وعرض الأدلة الوافية، خارج عن وظيفة هذا الكتاب. ولكن القلم قد يطغى، ويجري على خلاف المقصود.

ـــــــــــــــ

(1) الجامع الصغير، ج2، ص37.

[ 556 ]

في بيان وجه حصر أقسام القلوب في الأربعة المذكورة في الرواية

قال بعض: إن سبب انحصار أقسام القلوب في الأربعة هو: أن القلوب إما أن تتحلّى بالإيمان أولاً. وعلى الأول إما أن تتصف القلوب بالإيمان بكل ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو تتصف ببعض ما يعتبر في الإيمان دون بعض؟ فالأول هو قلب المؤمن والثاني هو القلب المكتنف بالإيمان والنفاق وهو إما يعلن الإيمان ويظهره أو لا؟ فعلى الأول يكون القلب منافقاً وعلى الثاني يكون مشركاً.

وهذا التحليل لا ينسجم مع الحديث الشريف الظاهر في أن القلب الواحد فد يؤمن في الحقيقة بكل ما جاء به النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وقد ينافق.

وإذا أراد أحد أن يبرر الأقسام الأربعة، فالأفضل أن يقول: إن القلب إما أن يؤمن بكل ما جاء به النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أولا؟ وعلى الثاني إما يُظهر إيمانه أم لا؟ وعلى الأول إما أن يستقر فيه الإيمان من دون تزلزل، أو يؤمن حيناً، ويتراجع حيناً آخر رغم إفصاحه عن الإيمان أيضاً.

ويستفاد من ذيل هذا الحديث أن توبة من يتحول من الإيمان إلى الكفر والنفاق تكون مقبولة، مهما نقض التوبة، وكررّ مثل هذا التراجع والتحول.

وفي حديث آخر في كتاب أصول الكافي بسنده إلى الإمام جعفر عليه السّلام (قالَ: الْقُلوبُ ثَلاثَةٌ: قَلْبٌ مَنْكُوسٌ لاَ يَعَي شَيْئاً مِنَ الخَيْرِ وَهُوَ قَلْبُ الكَافِرِ، وقَلْبٌ فِيهِ نُكْتَةٌ سَودَاءٌ فَالْخِيرُ وَالشَرُّ فِيهِ يَعْتَلِجانَ فَأيّهُما كَانَتْ مِنْهُ غَلَبَ عَلْيَه، وَقَلْبٌ مَفْتُوحٌ فِيهِ مَصابِيحٌ تَزْهَرُ وَلاَ يَطْفَأُ نُوَرَهُ إلى يَومِ القِيامَةِ وَهو قَلْبُ المُؤْمِنِ".(1)

ولا تتنافى هذه الرواية مع الحديث الشريف السابق، لأن القسم الأول من هذه الرواية يعم قسمين من ذلك الحديث هما: قلب المشرك والمنافق، لأن قلوب هؤلاء الطوائف الثلاثة: المشرك، المنافق، الكافر، منكوسة، وهذا لا يتنافى مع كون"النكس"من

ـــــــــــــــ

(1) أصول الكافي، المجلد الثاني، باب في ظلمة قلب المنافق، كتاب الإيمان والكفر، ح3..

[ 557 ]

الصفات الظاهرة لقلب المشرك والكافر وكون "المطبوع" من الصفات الظاهرة لقلب المنافق. ولهذا خص الحديث السابق كلاً من المنكوس والمطبوع بقسم من القلوب الأربعة.

فصل

في بيان حالات القلوب

ونحن نقدم الحديث عن قلب المؤمن حتى يتبين وضع القلوب الأخرى عند مقارنتها مع قلب المؤمن.

لا بد من معرفة أنه قد ثبت بكل وضوح في العلوم الفلسفية العالية والمعارف الإلهية الحقة أن حقيقة الوجود، هي حقيقة النور، وإنهما عنوانان يحكيان عن حقيقة بسيطة واحـدة، من دون أن يكون هناك تكثّر وتعدّد. وثبت أيضاً أن كل ما يعدّ كمالاً وتماماً فهو عائد إلى الوجود بعينه. وهذا من المبادئ الأساسية المباركة التي من تشرّف بها واستوعبـها، تنفتح عليه أبواب المعارف. وأما نفوسنا الضعيفة فهي قاصرة وعاجزة حقاً عن إدراك تلك الحقيقة اللهم إلا إذا توفرت له نجدة غيبية، وتوفيق أزلي إلهي.

ومن الواضح أيضاً أن الإيمان بالله من نوع العلم ومن الكمالات المطلقة، وحيث أنه من الكمالات فهو أصل الوجود، وأصل حقيقة النور والظهور، وما لا يكون من الإيمان وتوابعه، فهو خارج عن نطاق الكمالات النفسية الإنسانية، وملحق بظلمات الأعدام والماهيات.

في بيان أن قلب المؤمن أزهر

إذن: تبين أن قلب المؤمن أزهر. وفي "الكافي" الشريف بسنده إلى أبي عبدالله الصادق عليه السّلام قال: قَالَ لَنا ذاتَ يوم تَجِدُ الْرَّجُلَ لا يُخْطىءُ بِلامٍ وَلاَ واوٍ خَطِيباً مُصْقِعاً ولقَلْبِهِ أشَدّ ظُلْمَةً مِنْ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، وَتَجِدَ الرَّجُلَ لا يَسْتَطِيعَ أنْ يُعَبّر عَمَا فِي قَلْبِهِ بِلِسانِه وَقَلبِه يَزْهَرُ كَمَا يَزْهَرُ المَصْباحَ(1).

وإنه أيضاً يسلك الصراط المستقيم، وينتهج في سيره الروحاني الجادة

ـــــــــــــــ

(1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب في ظلمة قلب المنافق، ح1.

[ 558 ]

السوية الإنسانية. وذلك:

أولاً: لم يخرج قلب المؤمن من الفطرة التي فطرها الله والتي عجنها الحق المتعالي وخمّرها، بيديه الجماليّة والجلالية فترة أربعين صباحاً، وعليه ينتهج قلب المؤمن على ضوء فطرة التوحيد التي هي التوجه والانشداد إلى الكمال المطلق والجمال التام، ولا محالة يكون هذا السير الروحاني لقلب المؤمن من مرتبة الفطرة المخمّرة حتى منتهى الكمال المطلق من دون أدنى اعوجاج وانحراف. وهذا هو الطريق الروحاني المستقيم، والجادّة المستويّة الغيبية. وأما القلوب الأخرى فهي خارجة عن فطرتها ومجانبة للسبيل المستقيم. وقد نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه رسم على الأرض خطاً مستقيماً ثم رسم خطوطاً متقاطعة للخطّ المستقيم ثم قال أن الخط المستقيم هو صراطي ومنهجي.

وثانياً: إن المؤمن يتبع الإنسان الكامل. ولمّا كان الإنسان الكامل مظهراً لجميع الأسماء والصفات، ومربوباً للحق المتعالي بالإسم الجامع، لم تكن لإسم غلبة على آخر في التصرف في الإنسان الكامل، وكان - الإنسان الكامل - مثل ربهِ المتعالي وجوداً جامعاً من دون تفوق مظهرية اسم على آخر. وإحتوى على مقام الوسطية والبرزخية الكبرى، وتم سيره على الصراط المستقيم الطريق الوسط الذي هو الاسم الجامع. وأما الكائنات الأخرى فيكون كل واحد منها مظهراً لإسم من الأسماء المحيطة أو غير المحيطة، ومتصرفاً فيه، ويكون مبدئه ومعاده نفس ذلك الإسم. وأما الإسم المقابل له ففي الغيب والباطن، ولا يتصرف في ذلك الكائن إلا من خلال أحديه جميع الأسماء، ولا يسمح لنا المقام شرح ذلك. فإذن الحق المتعالي في مقام الإسم الجامع ورب الإنسان، على الصراط المستقيم كما ورد في القرآن الكريم (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(1). بمعنى مقام الوسطية والجامعية من دونِ غلبة صفة على أخرى، وظهور أسم دون آخر.

ويكون مربوب الذات المقدس الموجود في مقام الوسطية والجامعية على الصراط المستقيم أيضاً، من دون ترجح مقام على مقام، وشأن على شأن. كما

ـــــــــــــــ

(1) سورة هود، آية: 56.

[ 559 ]

يطلب هذا المر بوب، في معراجه الصعودي الحقيقي، ولدى منتهى وصوله إلى مقام القرب، بعد عرضه العبودية على الذات المقدس، وإرجاع كل عبادة وعبودية من كل عابد إلى الذات المتعالي، وحصر الإعانة في جميع مقامات القبض والبسط في ذاته جلّ جلاله بقوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) يطلب هذا المربوب قائلاً (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). وهذا الصراط هو الصراط الذي يهيمن عليه رب الإنسان الكامل، على وجه الربوبية والظاهرية - الإظهار والخلق - ويكون دور الإنسان الكامل، المربوبية والمظهرية ـ المخلوق ـ.

وأما الموجودات الأخرى، والسائرون إلى الله، فلا تنتهج الصراط المستقيم، بل تنزع إمّا نحو جانب اللطف والجمال، أو نحو جانب القهر والجلال.

وأما المؤمنون فلما كانوا تابعين في مسيرتهم للإنسان الكامل وواضعين خطاهم في موضع أقدامه وسائرين على ضوء نور هدايته ومعرفته، ومستسلمين للذات المقدس للإنسان الكامل، غير معتمدين على أنفسهم خطوة واحدة في سيرهم الروحاني إلى الله، فلما كان المؤمنون كذلك يسلكون أيضاً الصراط المستقيم، ويكون حشرهم مع الإنسان الكامل، ووصولهم تبعاً لوصول الإنسان الكامل، شرط محافظتهم على صفاء قلوبهم من تصرّف الشياطين والإنية والأنانية، بل ويستسلمون في المسير كلياً للإنسان الكامل ومقام الخاتّمية.

في بيان مكائد الشيطان

ومن التصرفات الخبيثة للشيطان، إضلال القلب وإزاغته عن الصراط المستقيم وتوجيهه نحو فاتنة أو شيخ مرشد. ومن إبداع الشيطان الموسوس في صدور الناس، الفريد من نوعه، هو أن مع بيان عذب ومليح، وأعمال مغرية، قد يعلق بعض المشائخ بشحمة أذن فاتنة جميلة ويبرر هذه المعصية الكبيرة بل هذا الشرك لدى العرفاء، بأن القلب إذا كان متعلقاً بشيء واحد، استطاع أن يقطع علاقاته مع الآخرين بصورة أسرع، فيركّز كلّ توجهه أولاً على الفتاة الجميلة بحجة أن القلب ينصرف عن غيرها وأنه منتبه إلى شيء واحد ثم يقطع هذا الارتباط الوحيد ويركّز قلبه على الحق المتعالي. وقد يدفع الشيطان بإنسان أبله نحو إنسانٍ أبله، نحو محيّا مرشد مكّار وحش، بل شيطان قاطع للطريق ويلتجئ في تبرير هذا

[ 560 ]

الشرك الجليّ إلى أن هذا المرشد هو الإنسان الكامل، وإنه لا سبيل للإنسان في الوصول إلى مقام الغيب المطلق إلا بواسطة الإنسان الكامل المتجسد في المرآة الأحدية للمرشد، ويلتحق كّل منهما حتى نهاية عمرهما بعالم الجن والشياطين: حيث يفكر المرشد في جمال معشوقه ومفاتنه، وهذا الإنسان البسيط بتركيز الانتباه على محيا مرشده البائس المنكوس حتى آخر حياته. فلا تنسلخ العقلة الحيوانية عن هذا المرشد، ولا يبلغ الإنسان الأبله الأعمى إلى منشوده ومبتغاه.

ولا بد من معرفة أن المؤمن لمّا كان سيره في هذا العالم معتدلاً، وقلبه سوياً، وتوجّهه نحو الله وصراطه مستقيماً، كان في ذلك العالم أيضاً صراطه مستقيماً وواضحاً، وجسمه معتدلاً وصورته وسيرته وظاهره وباطنه في صورة الإنسان وهيئته. وعند مقارنة قلب المشرك مع قلب المؤمن، نستطيع أن نفهم موقع قلب المشرك ومصيره، فحيث أن قلبه قد خرج عن الفطرة الإلهية، وانحرف عن النقطة المركزية للكمال، وعن بحبوحة النور والجمال، وابتعد عن التبعية للهادي المطلق والولي الكامل، وانشغل بأنيته وأنانيته بالدنيا وزخارفها، لم يحشر المشرك في العوالم الأخرى في سيرة الإنسان وصورته المعتدلة، وإنما يحشر في صورة حيوان منكوس الرأس، لأنه الهيئة والصورة في ذلك العالم تتبع القلوب، وأن الظاهر هناك ظلّ لباطن الإنسان هنا، وأن القشر انعكاس للبّ وأن موادّ ذلك العالم لا تأبى الأشكال الملكوتية الغيبية، كما هو شأن المواد في هذا العالم التي لا تقبل الأشكال المختلفة. وقد ثبت كل ذلك في محلّه بالدليل والبرهان.

فالقلوب التي أعرضت عن الحق والحقيقة، وخرجت عن فطرتها المستقيمة وأقبلت على الدنيا، ألقت بظلالها على ذلك العالم حيث يخرج أصحابها هناك من الاعتدال ويكونون منكوسين، ومتجهين نحو عالم الطبيعة والدنيا التي تعتبر أسفل السافلين. فمن المحتمل أن يمشي بعض مكباً على وجهه وتكون ساقه نحو الأعلى ويمشي بعض على بطنه، وبعض على يديه ورجليه، كما كان اتجاهه في هذا العالم (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(1). فمن الممكن أن هذا الاستعمال المجازي في هذا العالم المجازي،

ـــــــــــــــ

(1) سورة الملك، آية: 22.

[ 561 ]

يتحول إلى واقعية وحقيقة في عالم الحقائق والظهور للروحانيات والغيبيات.

لقد فَسّرت الأحاديث الشريفة:" الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ " المذكور في نهاية هذه الآية المباركة بالإمام أمير المؤمنين عليه السّلام والأئمة المعصومين عليهم السلام:

عن الكافي بإسناده عن أبي الحسن الماضي عليه السّلام قال: قُلْتُ: أفَمَنْ يَمْشي مُكِبّاً عَلى وجْهِهِ أهْدى أمْ مَنْ يَمْشي سَوِيّاً على صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؟ قالَ: إنَّ اللهَ ضَرَبَ مَثَلاً، من حَادَ عَنْ وِلاَيَةِ عَلِيٍّ عليه السّلام كَمَنْ يَمْشي عَلى وَجْهِهِ لا يَهْتَدِي لأَمْرِهِ، وَجَعَلَ مَنْ تَبِعَهُ سَوِيّاً عَلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَالصِّراطُ الْمُسْتَقِيمُ أميرُ الْمُؤْمِنين عليه السّلام"(1).

وعن الفضيل قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبي جَعْفَرَ عليه السّلام الْمَسْجدَ الحَرامِ وَهُو مُتَّكىءٌ عَلَيّ فَنَظَرَ إلَى النَّاسِ وَنَحْنُ عَلَى بَابِ بَنِي شَيْبَةَ فَقالَ يا فُضَيْلُ هكَذا كَانُوا يَطُوفُونَ فِي الجاهِلّيةِ لاَ يَعْرِفُونَ حَقْاً وَلاَ يَدِينُونَ دِيناً يا فُضَيلُ أنْظر إلَيْهِم مُكبّينَ عَلَى وُجُوهِهِمَ لَعَنَهَمُ الله مِنْ خَلْقٍ مَسَخَهُمْ رَبَّهُمْ مُكِبّينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ ثُمّ تَلا هذه الآية "أَفَمَنْ يَمْشِي - الخ " مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أهَدْى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَويّاً عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَعْنِي عَليّاً عَلِيه السّلام وَالأوْصياء عَلَيهمُ السَّلام.(2)

ونحن قد ذكرنا بأن الإنسان الكامل يمشي في سيره الباطني الغيبي على الصراط المستقيم، وأما بيان أن الإنسان الكامل بنفسه يكون صراطاً مستقيماً، فهو خارج عن مقصدنا وهدفنا فعلاً.

تتيمم

في بيان قلب المنافق، واختلافه مع قلب المؤمن

تبيّن من الفصل السابق وضع قلب المؤمن والمشرك بل الكافر أيضاً. وتبّين حال قلب المنافق لدى المقارنة مع قلب المؤمن أيضاً. فإن قلب المؤمن لم يخرج من فطرته النقية الناصعة الطاهرة، وكلما يُلقى عليه من الحقائق الإيمانية والمعارف الحقة يتلقّاها بالقبول، ويبقى الإنسجام بين الطعام والمتغذي، بين المدرك - بفتح الراء - والمدرك - بكسر الراء - من المعارف والحقائق من جهة ومقام الفطرة للقلب

ـــــــــــــــ

(1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، ح91.

(2) روضة الكافي، ح434.

[ 562 ]

من جهة أخرى. ولهذا عبر عن قلب المؤمن في حديث آخر منقول في كتاب" الكافي" الشريف بـ" المفتوح "(1) وهذا الفتح وإن أمكن أن يكون إشارة إلى إحدى الفتوحات الثلاثة، ولكنه أيضاً يتناسب مع هذا المعنى الذي ذكرناه.

وأما قلب المنافق، فبما أنه قد علقت فيه الأقذار والظلمات التي تتنافى مع فطرة الإنسان مثل التعصّب الجاهلي، والخلق الذميم، وحبّ النفس والجاه وغير ذلك مما لا تتناسب مع الفطرة، غدا مختوماً ومغلقاً ومطبوعاً ورافضاً لتقبل كلام الحق نهائياً، ومضاهياً لصفحة سوداء لا تجدي النقوش معها والرسوم عليها، مع العلم بأن تمسكه بالديانة والتظاهر بها، وسيلة شيطانية لتسيير أموره وتطوير دنياه.

ولابد من معرفة أن قلب المشرك والمنافق منكوس ومطبوع، كما هو واضح، ولكن اختصاص كل من القلبين بأحدهما من أجل أن المشرك لدى عبادته يخشع قلبه لغير المعبود الحقيقي ولغير الكمال المطلق، فيكون لقلبه خاصيتان وخصوصيتان أحدهما الخضوع الصادق المتمثل في العبادة ثانيتها أنه لمّا كان هذا الخضوع للناقص والمخلوق، كان سبباً للنقص والكدر في القلب، فيكون قلبه منكوساً، وهذه صفة بارزة للمشرك. وأما المنافق فهو في الحقيقة قد يكون مشركاً فيساوي المشركين في انتكاس قلبه، ويمتاز عليهم أيضاً بخصوصيّة أخرى - تذكر بعد قليل -. وقد يكون المنافق كافراً وجاحداً في الواقع، لجميع الشرائع، فهو أيضاً منكوس القلب، ولكن تتوفر فيه خصوصية أخرى بارزة أكثر هي أنه يصغي إلى الحق بحسب الظاهر ويعيش مع أهل الحق، وتطرق سمعه أحاديث الحق كما تطرق سمع المؤمنين كلمات الحق ولكن المؤمنين لصفاء باطنهم تكون قلوبهم مفتوحة فيلتقونها بالقبول التام، وأما المنافقون فلأجل الكدر والظلمات المحيطة بقلوبهم تكون قلوبهم مطبوعةً ومختومة فترفض تلك الكلمات وتجحدها.

ثم إن تعرّض الحديث لخصوص صفتين من صفات المؤمن(إنْ أَعْطاهُ شَكَرَ وَإن ابْتَلاهُ صَبَرَ) من أجل أن لهاتين الصفتين من صفات المؤمنين خصائص ومزايا لا تتواجد في غيرها من الصفات، فإنهما من أمّهات الصفات الجميلة، وتتفرّع منهما

ـــــــــــــــ

(1) وقلب مفتوح فيه مصابيح تزهر. أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب في ظلمة قلب المنافق، ح3 ص423.

[ 563 ]

صفات جميلة أخرى. ونحن قد ذكرنا شيئاً قليلاً منهما عند شرحنا لبعض الأحاديث المتقدمة.

ومن أجل أن هاتين الصفتين ـ أيضاً ـ من صفات الجلال والجمال، القهر واللطف، المتجلّيتان بالعطاء والابتلاء. فإن الابتلاء وإن كان من صفات اللطف والجمال، ولكنه حيث يكون ظاهراً بالقهر، جعل منه. كما ذكرنا في بحث أسماء الحق وصفاته. والمؤمن ينهض دائماً بالعبودية بين هذين التجلّـيـين.

ختام

في بيان أن الغفلة عن الحق المتعالي تبعث على إنتكاسة القلب

تبين من العرض المتقدم أن النفوس المنكبّة على الدنيا، والملتهية بتعميرها والمنصرفة عن الحق، تكون منكوسة، رغم أنها تعتنق الإيمان بالمبدأ والمعاد، لأن المقياس في انتكاس القلوب، هو الغفلة عن الحق والانشغال بالدنيا وتعميرها. وهذا الإيمان بالمبدأ والمعاد إما لا يعدّ إيماناً وعقيدة كما ذكر في شرح بعض الأحاديث السابقة، أو أن الإيمان يكون ناقصاً وبسيطاً جداً، وعليه لا يتنافى مع انتكاس القلب، بل أن من يظهر الإيمان بالغيب والحشر والنشر، ولا يخشى من ذلك، وأن إيمانه لا يدفع به إلى عمل الجوارح والأركان، يكون مثل هذا الإنسان منافقاً ولا يكون مؤمناً. ويمكن أن يكون مَثَل هؤلاء المؤمنين الشكليين، مَثَلَ قوم كانوا بالطائف - كما ورد في الحديث إن أدرك أحدهم أجله على نفاقه هلك وإن أدركه على إيمانه نجا - ونعوذ بالله من زوال هذا الإيمان الذي ليس له لُبُّ وجوهر ولا هيمنة له في مُلك الجسم، ومن انتقال الإنسان من هذه الدنيا على النفاق، وحشره مع المنافقين. وهذا من الأمور الهامة التي لا بد أن تذعن لها نفوسنا الضعيفة، ونهتم بها ونكون حريصين على تعميق الإيمان في الظاهر والباطن والسّر والعلن، وكما ندّعي الإيمان في قلوبنا نجهد أنفسنا على هيمنة الإيمان على الظاهر أيضاً، حتى يتجذر الإيمان في القلب ولا يزول أمام عائق ومانع أو أي تغيير وتبديل، إلى أن يتمّ تسليم هذه الأمانة الإلهية، والقلب الطاهر الملكوتي الذي تخمر بالفطرة الإلهية إلى الذات المقدس من دون أن تمتد إليه يد الشيطان والخيانة والحمد لله أولاً وآخراً.

[ 564 ]

الحديث الحادي والثلاثون

" إن الله عزَّ وجلَّ لا يوصف "

[ 565 ]

بالسَّند المتَّصل إلى الشَّيخ الجليل أفضل المحدِّثين محمَّد بن يعقوب الكلينيِّ، عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن ربعيٍّ، عن زرارةً، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سَمعْتُهُ يقول: " إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يُوصَفُ، وَكَيْفَ يَوصَفُ وَقالَ فِي كِتَابِهِ:"وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ " فَلا يوصَفُ بِقَدَرٍ إلاّ كانَ أعْظَمَ مِنْ ذلِكَ. وَإنَّ النَّبيِّ صلّى الله عليه وآله وسلم لا يوصَفُ، وَكَيْفَ يوصَفُ عَبْدٌ احْتَجَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِسَبْعٍ وَجَعَلَ طاعَتَهُ فِي الأرْضِ كَطاعَتِهِ فِي السَّماءِ فَقالَ: " وَما أتيكُمُ الرَّسُولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " وَمَنْ أطَاعَ هذا فَقَدْ أطاعَني وَمَنْ عَصاهُ فَقَدْ عَصاني، وَفَوَّضَ إلَيْـهِ. وَإنّا لا نوصَفُ، وَكَيْفَ يوصَفُ قَوْمٌ رَفَعَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وهُوَ الشَّكُّ. وَالْمُؤْمِنُ لا يوصَفُ وَإنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَلْقى أخاهُ فَيُصافِحُهُ فَلا يَزالُ اللهُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وَالذُّنُوبُ تَتَحاتُّ عَنْ وُجوههما كَما يَتَحاتُّ الْوَرَقُ عَنِ الشَّجَرِ".(1)

ـــــــــــــــ

(1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب المصافحة، ح16.

[ 566 ]

الشرح:

قوله عليه السّلام: و" مَا قَدَرُوا الله " يقول الجوهري:(القدر كون الشيء مساوياً لغيره بلا زيادة ولا نقصان وإن " قَدَر " بفتح الدال وسكونها مصدر ومعناها واحد. يقول الله سبحانه (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)(1). أي ما عظّموا الله حق تعظيمه). انتهى.

يقول الكاتب الظاهر أن القدر بمعنى كون الشيء مساوياً لغيره، وهو كناية عن عدم القدرة على توصيف الله وتعظيمه كما يجدر به سبحانه، و(قدره) وإن كان وصفاً ولكنه موصوف في صياغة الوصف، وسنشير إلى أن هذا التعبير من غير الحق المتعالي فبالنسبة إلى ذاته المقدس غير ميسور ولا جائز.

قوله عليه السّلام: " فَلا يوصَفُ بِقَدْرٍ " قال المرحوم المجلسي رحمه الله كان خصّ القدرة بالذكر لأنها التي يمكن أن تعقل في الجملة من صفاته سبحانه أو هو على المثال ويمكن أن يقرأ بالفتح أي بَقَدر كما ورد في حديث آخر وهو أصوب"(2) وفي كتاب " الوافي " بِقُدْرَةٍ ولعله يكون بِقَدَرِهِ مع الهـاء، كما ورد في بعض النسخ. وأما "بِقُدْرَةٍ "مع التاء فمن المظنون بل المقطوع به أنه من الأغلاط المطبعية، وذلك لعدم صيرورة المعنى سلساً، ولعدم صحتها - القدرة - حسب ألفاظ الحديث حيث يعود إلينا الضمير المذكور، وتأويل ذلك على خلاف القاعدة.

ـــــــــــــــ

(1) سورة الأنعام، آية: 91.

(2) مرآة العقول، المجلد 9، ص70، ط دار الكتب الإسلامية طهران.

[ 567 ]

وإنما التجأ المرحوم المجلسي إلى ما نقلنا عنه، لكونه من باب ضيق الخناق، مع أنه لا وجه للتفرقة بين إمكان تعقل قدرة الحق إجمالاً حيث قال: " لأنها التي يمكن أن تعقل في الجملة من صفاته سبحانه " (1) وعدم إمكان تعقل بقية صفاته سبحانه. ولهذا نرى بأن مثل هذا التبرير للتفرقة لم يكن موجهاً حتى عنده أيضاً. قال " وقد مرّ هذا الجزء من الخبر من كتاب التوحيد وفيه بقدر وهو أصـوب " (2).

قوله عليه السّلام " تَتَحاتُّ " قال الجوهري في الصحاح: " الْحَتُّ: حَكُّ الْوَرَقِ مِنَ الْغُصْنِ " وقال " تَحاتَّ الشيء: تَناثَرَ" .

ونحن نشرح ما يتناسب مع هذا الحديث الشريف في فصول عدة.

فصل

في بيان المقصود من عدم توصيف الحق المتعالي
إعلم أن ما ورد في هذا الحديث الشريف: " إن الله عز وجل لا يوصف " إشارة إلى أوصاف وصف بها، بعض أهل الجهل والجدل من المتكلمين، الحق المتعال. واستدعت هذه الأوصاف التحديد والتشبيه، بل التعطيل كما أشير إلى ذلك في الحديث بقوله تعالى (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ).

وفي باب النهي عن الصفقة بغير ما وصف به نفسه تعالى من كتاب " الكافي "المبارك روايات تدّل على ذلك:

بإسناده عن عبدِ الرَّحيمِ بن عَتيكٍ الْقَصير قالَ: " كَتَبْتُ عَلى يَدَيْ عَبْدِ الْمَلَكِ بْنِ أعْيَنَ إلى أبي عَبْدِ الله عليه السّلام: إنَّ قَوْماً بِالْعِرَاقِ يَصِفونَ اللهَ بِالصُّورَةِ وَبِالتَّخطِيط(بِالتَّخاطيطِ- خ ل) فَإنْ رَأيْتَ جَعَلَنِيِ اللهُ فِدَاكَ أنْ تَكْتُبَ إلَيَّ بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيح فِي التَّوحِيدِ. فَكَتَبَ إلَيَّ: سَأَلْتَ إلَيَّ رَحِمَكَ اللهُ عَنِ التَّوْحِيدِ وَما ذَهَبَ إلَيْهِ مَنْ قِبَلَكَ، فَتَعَالَى اللهُ الَّذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصيرُ، تَعالى عَمّا وَصَفَهُ الْوَاصِفُونَ الْمُشَبِّهونَ اللهَ بِخَلْقِهِ الْمُفْتَرُونَ عَلَى اللهِ.

ـــــــــــــــ

(1) مرآة العقول، المجلد 9، ص70 -71 ط، دار الكتب الإسلامية طهران.

[ 568 ]

فَاعْلَمْ - رَحِمَكَ اللهُ - أنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحِ فِي التَّوْحِيدِ ما نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ صِفاتِ اللهِ تَعالى، فَانْفِ عَنِ اللهِ الْبُطْلانَ وَالتَّشْبيهَ، فَلا نَفْيَ وَلا تَشْبيهَ، هُوَ اللهُ الثّابِتُ الْمَوْجُودُ، تَعالى عَمّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ، وَلا تعْدُوا الْقُرْآنَ فَتَضِلُّوا بَعْدَ الْبَيَانِ(التِّبْيانِ - خ ل)"(1)

وبعد التدبر في صدر هذا الحديث الشريف وذيله، يفهم بأنه ليس المقصود من نفي توصيف الحق سبحانه عدم التفكّر في صفات الحق المتعالي، وعدم توصيفه بصورة مطلقة، كما قال به بعض المحدثين الأجلاّء، إذ ورد في هذا الحديث وفي غيره من الروايات الأخرى الأمر بنفي التعطيل والتشبيه عنه سبحانه، وهذا النفي لا يكون إلاّ بعد الوقوف على الصفات واستيعابها. بل المقصود لدى أبي عبد الله عليه السّلام، هو عدم توصيفه بما لا يليق بذاته المقدس الحق المتعالى، مثل إثبات الصورة والتخطيط وغيرها من صفات المخلوقين، التي تلازم الإمكان والنقص. تعالى الله عنه.

وأما توصيف الحق، المتعالي، بما يليق ويجدر بذاته المقدس، والذي أقيمت عليه البراهين الصحيحة في العلوم العالية الفلسفية، فهو أمر مطلوب، فإن كتاب الله سبحانه وسنة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، وأحاديث أهل البيت عليهم السّلام مشحونة من ذلك. كما أن الإمام الصادق عليه السّلام لَمَّح في هذا الحديث الشريف إلى أن المقياس-في إثبات الأوصاف للحق سبحانه - هو البرهان الصحيح ويكون البحث في ذلك بعيد عن مقصدنا.

وما أمر به الإمام الصادق عليه السلام في توصيف الحق سبحانه، من لزوم عدم الخروج عما في القرآن الكريم بقوله "إنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحيحَ في التَّوحِيدِ ما نَزَلَ بِه الْقُرآن مِنْ صِفاتِ الله " ، توجيه لمن لا يستوعبون المقياس من صفات الله سبحانه، وليس بمنع توصيف الله سبحانه بصفات لم تذكر في كتاب الله، ولهذا نرى بأن الإمام صلوات الله عليه الذي أمر عبد الله بن علي بعدم توصيفه بوصف غير مذكور في كتاب الله، هذا الإمام بنفسه ينعت الحق بصفتين لم يعهد بهما في

ـــــــــــــــ

(1) أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب النهي عن الصفة، ح1..

[ 569 ]

القرآن الكريم وهما الثابت والموجود.

نعم إذا أراد شخص أن يصف الحق المتعالي بوصف من وحي عقله القاصر المشوب بالأوهام، من دون أن يستنير بنور المعرفة والسداد الغيبي، فيسقط إما في ضلال التعطيل والبطلان، وإما في هلاك التشبيه. فعلى أمثالنا الذين أسدلت على قلوبهم ستائر وحجبٌ غليظة من الجهل والأنانية والعادات البشعة والخلق الغليظ الفظّ، أن لا نتطرق إلى عالم الغيب، ولا ننعت إلهاً على ضوء إدراكنا، لأن ما يخطر ببالنا لا يكون إلاّ مخلوقاً لنا.

ولا يخفى بأن المقصود من منع أمثالنا التطرّق إلى عالم الغيب، ليس هو الإبقاء في عالم الجهل والأنانية أو والعياذ بالله دعوة الناس إلى الإلحاد بأسماء الله (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ)(1).أو المنع من الوقوف على المعارف الإلهية التي هي عين الأولياء ومصباحهم وأساس الديانات وقاعدتها. بل إن نفس هذا الكلام - الكف عن التطرق لعالم الغيب - دعوة لإزالة هذه الحجب الغليظة، والانتباه إلى أن الإنسان ما دام ساقطاً في شباك حب الجاه والمال والدنيا والنفس، ويكون مَثَلُهُ، مَثَل الكاتب الواقع خلف حجب الجهل والضلال والعُجب والأنانية التي هي أغلظ الحجب، يكون بعيداً عن المعارف الحقة، ومحروماً من الوصول إلى هدفه ومبتغاه. وإذا لم تصله - والعياذ بالله - نجدة غيبية من الحق المتعالي أو أوليائه الكاملين، لا يعرف أحد المصير والنهاية لهذا المسير والحركة. اللّهُمَّ إلَيْكَ الشَّكْوى وَأنْتَ الْمُسْتَعانُ.

إلهنا: نحن التائهين في عالم الجهل، والمتحيرين في وادي الضلال، والمثقلَّين بالعجب والأنانية، نحن الذين قدمنا على المُلك والمادّة، عالم الظلام، من دو أن نفتح أعين بصيرتنا، ونشهد جمالك المنير في مرائي الصغار والكبار، ونرى بصيصاً من نور الظاهر في أقطار السماوات والأرضين، ثم عشنا أيام حياتنا بعيون عُمْي، وقلوب مهجورة، وأمضينا عمرنا في جهل وغفلة.

إلهنا إن لم تسعفنا وتسعنا رحمتك الواسعة، وعنايتك اللامتناهية، وإن لم

ـــــــــــــــ

(1) سورة الاعراف، آية: 180.

[ 570 ]

تلقِ في قلوبنا حرارة الحب وفي صدورنا العشق وفي أعماقنا الجذبات الروحية، لبقينا إلى الأبد في هذه الحيرة، ولم نستطع أن نشقّ طريقنا ولكن " ما هكَذا الظَّنُّ بِك " إنك قد ابتدأت بالنعم وإن رحمتك قديمة لا مثيل لها.

إلهنا: تفضّل علينا وكن في عوننا، وأهدنا إلى أنوار جمالك وجلالك، وأنر قلوبنا بضياء أسمائك وصفاتك.

في بيان أن العلم بحقيقة الأسماء والصفات غير ميسور

لا يخفى على أحد بأن استيعاب حقيقة أوصاف الحق، والإحاطة بها وبكيفياتها، من المسائل التي تكون يد البرهان قاصرة عن الوصول إلى قممها، وآمال العارفين مقطوعة عن البلوغ إلى مغزاها. وما ذكر من البراهين والآراء الدقيقة على يد علماء الحكمة والفلسفة أو في أبحاث الأسماء والصفات لأرباب المصطلحات العرفانية، يكون صحيحاً حسب مسلكهم ومبادئهم، التي ينطلقون منها، ولكن نفس العلم حجاب غليظ، فإذا لم يخرق هذا الحجاب بتوفيق من الله سبحانه في ظل التقوى الكاملة والترويض المجهد للنفس، والانقطاع التام لله والمناجاة الصادقة معه، لم تُشرق في قلب السالك أنوار الجمال والجلال، ولم يشهد قلب المهاجر إلى الله، المشاهدات الغيبية، ولم يتمتع بالحضور العيني لتجلّيات الأسماء والصفات، فضلاً عن الحظوة بالتجليات الذاتية. وهذا المعنى يجب أن لا يُحجم الإنسان عن البحث والطلب الذي هو تذكر للحق سبحانه. إذ أن من النادر جداً، غرس الشجرة الطيبة للمعرفة في القلب أو إنعاشها ونضارتها من دون بذر علوم حقة مع كافة شرائطها المعهودة، فالإنسان لا بد وأن يواظب في بدء الأمر على الرياضة العلمية مع النهوض بجميع شرائطها ومتمّماتها، ولا يسحب يده منها حيث قالوا: " العلوم بذر المشاهدات ". وأن لم تنتج العلوم في هذا العالم لأجل العوائق، نتيجة مجدية وتامة، لأثمرت في عوالم أخرى ثمرات طيبة، ولكن المهم هو النهوض بشرائطهما ومقدماتها.

وقد تحدثنا عن بعض الشرائط والمقدمات لدى شرحنا بعضاً من الأحاديث المتقدمة.

[ 571 ]

فصل

في بيان أن العلم بحقيقة روحانية الأنبياء والأولياء

لا يمكن أن يتم بالفكر والبرهان

إعلم أنه لا يمكن معرفة روحانية ومقام خاتم الأنبياء صلّى الله عليه وآله وسلم خاصة، والأنبياء العظام والأولياء المعصومين عليهم السّلام عامّة مع التفكر والتدبر وسير الآفاق والأنفس لأن هؤلاء الأجلاّء، من الأنوار الغيبية الإلهية، والمظاهر التامّة، للجلال والجمال، وآياتهما الباهرة. وقد بلغوا في سيرهم المعنوي، وسفرهم إلى الله الغاية القصوى، والفناء في الذات، ومنتهى العروج: (قابَ قَوْسَينِ أوْ أَدْنى)، رغم أن صاحب المقام بالأصالة هو النبي الخاتم صلّى الله عليه وآله وسلم، وأن الأنبياء الآخرين السالكين لطريق العروج يتبعون الذات المقدس للنبي الخاتم صلّى الله عليه وآله وسلم.

ونحن لسنا بصدد بيان كيفية سير خاتم الأنبياء، وبيان الفارق بين معراجه الروحاني ومعراج جميع الأنبياء والأولياء عليهم السلام. وإنما نكتفي بذكر رواية واحدة تتحدث عن نورانيتهم، لأن إدراك نورانيتهم، يفتقر أيضاً إلى نورانية باطنية وجذبة إلهية.

الكافي: بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: "سَألْتُهُ عَنْ عِلْمِ الْعالِمِ، فَقالَ لي: يا جابِرُ، إنَّ فِي الأنْبِياءِ والأوْصياءِ خَمْسَةَ أرْوَاحٍ: روحَ الْقُدُسِ وُروحَ الإيْمانِ ورُوحَ الْحيوةِ وَرُوحُ القُوَّةِ وُروحَ الشَّهْوَةِ. فَبِروحِ الْقُدُسِ - يا جابِرُ - عَرَفُوا ما تَحْتَ الْعَرشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى. ثُمَّ قالَ: يا جابِرُ، إنَّ هذه الأرْبَعَةَ أرْواحٍ يُصيبُهَا الْحِدْثانُ إلاّ روحَ الْقُدُسِ فَإنَّها لا تَلْهو وَلا تَلْعَبُ .(1)

وبإسناده عن أبي بصير قال: سَألْتُ أبا عَبْدِاللهِ عليه السّلام عَنْ قَوْلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى " وَكذلِكَ أوْحَينْا إلَيْكَ روحاً مِنْ أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتابُ وَلاَ الإيْمانُ "، قالَ: "خَلْقٌ مِنْ خَلْقِِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى أعْظَمُ مِنْ جَبْرَئيلَ وَميكائيلَ، كانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ

ـــــــــــــــ

(1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة عليهم السلام، ح2.

[ 572 ]

صلّى الله عليه وآله وسلم يُخْبِرُهُ وَيُسَدِّدُهُ وَهُوَ مَعَ الأئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِم ".(1)

يفهم من الحديث الأول، أن للإنبياء والأوصياء عليهم السلام مقاماً شامخاً من الروحانية يدعى بـ(روح القدس) ومن خلاله يتمتعون بالإحاطة العلمية القيّومية لجميع الكائنات حتى ذرّاتها الصغيرة جدّاً، ولا توجد فيها الغفلة والنوم والسهر والنسيان وكافّة الحوادث والتغيّرات والنقائض المُلكية، بل تكون من عالم الغيب المجرد، والجبروت الأعظم. كما يستفاد من الحديث الثاني، أن تلك الروح المجردة الكاملة، أعظم من جبرائيل وميكائيل عليهما السلام رغم أنّهما أعظم القاطنين في مقام قرب الجبروت.

نعم إن الأولياء، الذين تخمّرت طينتهم على يدي قدرة الجمال والجلال للحق المتعالي، وتجلّى سبحانه في مرآتهم الكاملة، لدى التجلي الذاتي الأول بجميع الأسماء والصفات ومقام أحدية الجمع، وتعلّموا حقائق الأسماء والصفات في مقام غيب الهوية. إن مقام هؤلاء الأولياء أسمى وأرفع من أن تنال آمال أهل المعرفة أطراف كبرياء جلالهم وجمالهم، وأن تبلغ خطوات معرفة أهل القلوب ذروة كمالهم. وفي الحديث النبوي الشريف " عَليٌّ مَمْسوسٌ فِي ذاتِ اللهِ تَعالى " (2) والكاتب قد وضع كتاباً متواضعاً في الأيام السابقة باسم(مصباح الهداية). وصف فيه نبذة من مقام النبوة والولاية. مثل وصف الخفاش الشمس المضيئة للعـالم.

فصل

(في بيان معنى قوله عليه السلام كيف يوصف عبد احتجب الله عزّ وجلّ بسبع)

هناك احتمالات في هذه الجملة المذكورة في الحديث الشريف " كَيْفَ يوصَفُ عَبْدٌ احْتَجَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِسَبْعٍ " نذكر بعضها:

الاحتمال الأول: - ما ذكره بعض العارفين - المحدث العارف الكامل المرحوم فيض الكاشاني رحمه الله تعالى - أنه:(قد ورد في الحديث أن لله سبعين

ـــــــــــــــ

(1) الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب الروح التي يسدد الله ... ح1.

(2) بـحار الأنوار، المجلد 39، ص313..

[ 573 ]

ألف حجاب من نور ظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره. وعلى هذا فيحتمل أن يكون معنى قوله عليه السلام " احْتَجَبَ اللهُ بِسَبْعٍ "أنه صلّى الله عليه وآله وسلم قد ارتفعت الحجب بينه وبين الله تعالى حتى بقي من السبعين ألف سبع)(1).

وبناءً على هذا الاحتمال يكون التقدير هكذا " احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ بِسَبْعٍ " فيكون اسم الجلالة فاعلاً لفعل(إحَتَجَبَ). وهذا الاحتمال وإن كان أفضل الاحتمالات ولكنه لا يخلو من المناقشة. أما بحسب اللفظ فالمناسب في مقام التوصيف والتعريف هو التعبير عن مقصوده هذا بقوله " ما احْتَجَبَ عَنِ اللهِ إلاّ بِسَبْعٍ " أو "ما احتجب اللهُ عَنْهُ إلاّ بِسبع " وبعبارة أخرى بناءً على مقصوده ذاك أن كمال النبي وعدم جواز توصيفه(وإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يوصف) يكون بعدم وجود الحجب الأخرى وليس بوجود الحجب السبعة، فكان من المناسب أن ينفي الحجب مع أنه لم يفعل ذلك.

وأما بحسب المعنى فالظاهر أن هذه الحجب التي(احتجب الله عز وجل بسبع) من حجب النور والظلمة أي من الحجب الخلقية أقرب من نور الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الطاهر، مع أنه قد يثبت أن ذاته صلّى الله عليه وآله وسلم هو الحجاب الأقرب والمخلوق الأول وإنه لا يوجد له حجب الأسماء والصفات، كما تقرر ذلك في محلّه. وأما مقامات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولطائفة السبعة لا تكون أيضاً حجباً له.

الاحتمال الثاني: ما نقله المحدث الخبير المرحوم المجلسي أعلى الله في القدس مقامه عن بعض الأعلام ورآه وجيهاً(من أن هذه الجملة تمهيد لما بعدها أي احتجب الله عن الخلق بسبع سماوات وجعله خليفة في عباده، وأناط طاعته بطاعته، وفوض إليه أمور خلقه بمنزلة ملك جعل بينه وبين رعيته سبعة حجب وأبواب لم يمكنهم الوصول إليه بوجه، وبعث إليهم وزيراً ونصب عليهم حاكماً وكتب إليهم كتاباً تضمن وجوب طاعته وإن كل من له حاجة فليرجع إليه فإن قوله

ـــــــــــــــ

(1) مرآة العقول، المجلد 9، ص71 طباعة دار الكتب الإسلامية - طهران.

[ 574 ]

قولي، وأمره أمري وحكمه حكمي، فاحتجابه بالسبع كناية عن عدم ظهور وحيه وأمره ونهيه وتقديراته إلا من فوق سبع سماوات وإنما يظهر لنا جميع ذلك ببيانه صلّى الله عليه وآله وسلم.

وهذا وجهٍ وجيه خطر ببال القاصر سالفاً وإن وافقني على بعضه البعض.(1)

ولا ترد على هذا الاحتمال المناقشة المتقدمة على معنى الرواية، كما يستبعد أيضاً ورود المناقشة على ألفاظ الرواية، بل تكون أبعد من ورود المناقشة اللفظية على الاحتمال الأول.

وهناك احتمال ثالث يتمتع بالصحة والقبول لدى النفس ويتناسب مع الموضوع أيضـاً، ولكنّ صحته تتوقف على أحد أمرين:

إما أن نعتبر أنّ " احْتَجَبَ " استعمل بمعنى " حَجَبَ "، ويكون متعدياً. وأما أن نجوّز تعدية " إِحَتَجَبَ " بالباء الجارّة ويكون المفعول على كلا الاحتمالين مقدّراً محذوفاً. ويكون هذا الاحتمال الثالث مع فرض صحة أحد الأمرين هو: كيف يوصف عبد، احتجبه الحق المتعالي بحجب سبعة، وجعل سبحانه لإبراز جمال عبده محمد بن عبدالله صلّى الله عليه وآله وسلم وروحانيته، حجباً سبعة ابتداءً من الطبيعة وانتهاءً بالمشيّة المطلقة، أو ابتداءًا من عالم مُلكه - صلّى الله عليه وآله وسلم - وطبيعته، حتى مقام غيب هويته، وذلك منسمجاً مع عالم المشية.

ولكننا لم نجد في اللغة العربية وفي مجالات استعمال كلمة "احتجب "أنها استعملت متعدية رغم تصريح بعض علماء الأدب بجواز تعدية " احْتَجَبَ " بالباء. والعلمُ عندَ اللهِ " وَلَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أمْراً ".

فصل

في بيان معنى تفويض الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

كما ورد في هذا الحديث الشريف والأحاديث الكثيرة الأخرى

إعلم أن للتفويض معنى مذكوراً في أبحاث الجبر والتفويض وهو أن الحق

ـــــــــــــــ

(1) مرآة العقول، المجلد 9، ص71 - دار الكتب الإسلامية - طهران..

[ 575 ]

سبحانه قد عزل نفسه - والعياذ بالله - عن التصرف القيوميّ في كل أمر من الأمور من أقصى عالم من عوالم الغيب المجردة حتى منتهى النهايات من عالم الخلق والتكوين، وفوّض أمر ذلك إلى موجود سواء كان كاملاً وتاماً وروحانياً وصاحب اختيار وإرادة، أو كان طبيعياً مسلوب الشعور والإرادة، يتصرف - هذا الموجود - بصورة تامة ومستقلّة. ومثل هذا التفويض لا يمكن أن يكون لأحد، لا في عالم التكوين ولا في عالم التشريع وسياسة العباد وتأديبهم، وذلك من أجل أنّ هذا التفويض يستلزم النقض والإمكان في الوجود الواجب، ونفى الإمكان والحاجة في الممكن.

ويقابل التفويض هذا، الجبر الذي يكون عبارة عن نفي الآثار الخاصّة عن مراتب الوجود ونفى الأسباب والمسببات نهائياً، وإلقاء الوسائط بصورة كلّية. وهذا أيضاً باطل ومرفوض ومخالف للبراهين المحكمة. وهذا المعنى من الجبر المرفوض لا يختص أيضاً بأفعال المكلفين، بل يعم عالم التكوين والتشريع كما هو المشهور. فإن رفض الجبر والتفويض بهذا المعنى الذي ذكرناه هو سنّة الله الجارية في كافة مراتب الوجود، ومظاهر عالم الغيب والشهود. والتحقيق في ذلك خارج عن نطاق هذا الكتاب. والروايات التي تنفي الجبر والتفويض إنما تنفيهما حسب المعنى المذكور. وأما الأخبار التي تقر التفويض في بعض الأحكام التشريعية مثل ما نقل عن الكافي بإسناده إلى أبي جعفر عليه السّلام قالَ وَضَعَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْه وَآلهِ وَسَلَّم دِيَةَ الْعَيْنِ وَدَيِةَ النَّفْسِ وَحَرّمَ النَّبِيذَ وَكَلّ مُسْكِرٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَضَعَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيه وَآلهِ وَسَلَّم مِنْ غَيْرِ أنْ يَكوُنَ جاءَ فِيه شَيء؟ قَالَ: نَعَمْ لِيَعَلمَ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَعْصِيهِ.(1).

ومثله روايات أخرى بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أضاف بعض الركعات على الصلوات، وجعل الصيام في شهر شعبان مستحباً وصيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحباً أو فُوِّضَ إليه صلوات الله وسلامه عليه أمْرَ الخليقة مثل ما نقله الكافي:

ـــــــــــــــ

(1) أصول الكافي، المجلد1، كتاب الحجة، باب التفويض إلى رسول الله، ح7.

[ 576 ]

بإسناده عن زُرارةَ قالَ: سَمِعْتُ أبا جعفر عليه السّلام وأبا عبد الله عليه السّلام يَقولانِ: " إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَوَّضَ إلى نَبِيِّهِ أمْرَ خَلْقِهِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ طاعَتُهُمْ، ثُمَّ تَلا هذِهِ الآيَةَ: (ما اتيكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهيكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).(1)

وروايات أخرى مأثورة بهذا المعنى أيضاً. وأما هذه الأخبار فقد فسِّرت على وجه آخر غير المعنى المرفوض. وذكر لها علماؤنا الأعلام وجوهاً: منها ما نقله المحدث الخبير المجلسي رحمه الله عن ثقة الإسلام الكليني وأكثر المحدثين وهو:(أنه تعالى لما أكمل نبيه بحيث لم يكن يختار من الأمور شيئاً إلا ما يوافق الحق والصواب ولا يحلّ بباله ما يخالف مشيته سبحانه في كل باب، فوّض إليه تعيين بعض الأمور كالزيادة في ركعات الفرائض وتعيين النوافل من الصلاة والصيام وطعمة الجد وغير ذلك مما سيأتي بعضها في هذا الكتاب - مرآة العقول - إظهاراً لشرفه وكرامته عنده، ولم يكن أصل التعيين إلا بالوحي لا الاختيار إلا بالإلهام ثم كان يؤكد ما اختاره صلّى الله عليه وآله وسلم بالوحي).(2)

وقد ذكر المرحوم المجلسي وجوهاً أخرى مثل تفويض أمور الخلق إليهم - الأنبياء - من سياستهم وتأديبهم وتكميلهم وتعليمهم. ومثل التفويض بيان العلوم والأحكام إليهم بما أرادوا أو رأوا المصلحة فيها بسبب اختلاف عقولهم وأفهامهم أو بسبب التقية.(3)

ولكن لم يتحدث هؤلاء الإجلاء في الوجوه المحتملة التي استعرضوها عن كيفية تفويض الأمور إليهم على أساس قاعدة محدّدة لم تتناف مع الأسس الصحيحة التي ينطلقون منها. كما أنهم لم يشرحوا الفرق بين التفويض الممكن عندهم والتفويض المستحيل. بل يظهر من كلام العلماء وخاصة المرحوم المجلسي رضون الله تعالى عليه أن الإيمان(بالتفويض في الخلق والرزق والتربية والإماتة والأحياء إلى غير الحق سبحانه، كفر صريح ولا يستريب عاقل في كفر مَنْ

ـــــــــــــــ

(1) أصول الكافي، المجلد1، كتاب الحجة، باب التفويض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ح3.

(2) و(3) مرآة العقول، المجلد 3، كتاب الحجة، باب التفويض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ح3.

[ 577 ]

قال به)(1) وجعلوا الكرامات والمعجزات من قبيل استجابة الدعاء وأن الحق سبحانه هو الفاعل لكل هذه الأمور. ولكنهم أجازوا التفويض إليهم في تعليم الناس وتربيتهم وفي منع الناس من الأنفال والخمس أو الدفع إليهم وفي تشريع بعض الأحكام.

وهذا البحث من الدراسات التي يَقلّ التوغل فيها من قبل الباحثين، حتى يكون له إطار عام دقيق، وإن تنالوا غالباً طرفاً من البحث وتحدثوا عنه.

وأنا ـ الكاتب ـ، أيضاً مع قصور الباع، ونقص في العلم والاستعداد، والقلم المتعثر، والقرطاس الممزق، لا أستطيع أن أتوغل في هذه الفلاة المترامية الأطراف بصورة مفصلة. ولكنني مضطر لكي أشير إجمالاً إلى هذا الموضوع على شكل نتيجة البرهان، ولا مهرب من عدم إظهار الحق.

في إشارة إجمالية إلى معنى التفويض:

 لابد من معرفة أنه لا فرق أبداً في التفويض المستحيل المستلزم لمغلولية يد الله وفاعلية قدرة العبد وإرادته بصورة مستقلة بين الأمور العظيمة أو الحقيرة. كما أن أمر الإحياء والإماتة، والإيجاد والإعدام، وتحويل عنصر إلى آخر لا يمكن أن يفوّض لموجودٍ، حتى أن تحريك قشّة أيضاً، لم يمكن أن يفوّض لا إلى ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا إلى كائن ابتداءاً من العقول المجردة القاطنة في الجبروت الأعلى إلى المادة: الهيولى الأولى. وإن ذرات الكائنات بأسرها مسخرة تحت إرادة الحق سبحانه الكاملة، ولا استقلالية لها في أي عمل أبداً، وأن جميع الكائنات في وجودها وكمالها وحركاتها وسكناتها وإرادتها وقدرتها وكافة شؤونها محتاجة وفقيرة، بل هي فقر خالص وخالص فقر. كما أنه لا فرق أبداً في قيّوميّة الحق، وعدم استقلال العباد، وظهور إرادة الله ونفوذها وتغلغلها في كل شيء بين الأمور الكبيرة والصغيرة. وكما إننا العباد الضعاف قادرون على الأعمال البسيطة مثل الحركة والسكون وأفعال أخرى صغيرة، فإن العباد المخلصين لله سبحانه

ـــــــــــــــ

(1) مرآة العقول، المجلد 3، ص143، طباعة دار الكتب الإسلامية - طهران.

[ 578 ]

والملائكة المجردين، قادرون على أعمال عظيمة من الإحياء والإماتة والرزق والإيجاد والإعدام. وكما أن ملك الموت يقوم بالإماتة، وعمله هذا لا يكون من قبيل استجابة الدعاء، وإن إسرافيل موكل بالإحياء، وإحيائه لا يكون من قبيل استجابة الدعاء أو التفويض الباطل فكذلك الولي الكامل، والنفوس الزكية القويّة، مثل نفوس الأنبياء والأولياء، قادرة على الإعدام والإيجاد والإماتة والإحياء، بقدرة الحق المتعال، وليس هذا من التفويض المحالّ، ويجب أن لا نعتبره باطلاً. ولا مانع من تفويض أمر العباد، إلى روحانية كاملة، تكون مشيئته فانية في مشيئة الحق، وإرادته ظلال لإرادة الحق، ولا يروم إلا ما يريده الحق، ولا يتحرك إلا إذا كان موافقاً للنظام الأصلح، سواء كان في الخلق والتكوين أو التشريع والتربية، كما وردت الإشارة إلى ذلك في حديث ابن سنان المذكور في الفصل القادم بعد أسطر.

وملخص الكلام أن التفويض بالمعنى الأول لا يكون جائزا في أي مجال من المجالات وأنه مخالف للبراهين القاطعة. وأما التفويض بالمعنى الثاني فجائز في كافة الأمور بل إن النظام العام للعالم، لا يقوم إلا على أساس الأسباب والمسببات "أبَى اللهُ أنْ يُجْرِيَ الأُمُورَ إلاَّ بِأَسْبَابِها".(1)

واعلم بأن كل ما بيناه على سبيل الاختصار فهو من ثمار الأدلة والبراهين ومتطابق مع المقاييس الصحيحة الفلسفية، والمسلك العرفاني، والأخبار الشريفة والله الهادي.

فصل

في الإشارة إلى مقام الأئمة عليهم السّلام

إعلم أن لأهل بيت العصمة والطهارة عليهم السّلام مقاماً روحانياً شامخاً، في السير المعنوي إلى الله، يفوق قدرة استيعاب الإنسان حتى من الناحية العلمية، وأسمى من عقول ذوي العقول وأعظم من شهود أصحاب العرفان. كما يستفاد

ـــــــــــــــ

(1) نجد في كتاب أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب معرفة الإمام والرد إليه، ح 7 من الأحاديث ما يكون مرادفا لهذا الكلام.

[ 579 ]

من الأحاديث الشريفة، أنهم صلوات الله عليهم يشاركون الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم في مقام الروحانية وأن أنوارهم المطهرة كانت تسبّح وتقدس للذات المتعال قبل خلق العالم.

الكافي: بإسناده عن محمَّد بن سنان قالَ: "كُنْتُ عنْدَ أبي جعفر الثّاني عليه السّلام فَأجْرَيْتُ اخْتِلافُ الشِّيعَةِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى لَمْ يَزَلْ مُتَفَرِّداً بِوَحْدانِيَّتِهِ، ثُمَّ خَلَقَ مُحَمَّداً وَعَلِيّاً وَفاطِمَةَ فَمَكثُوا ألْفَ دَهْرٍ، ثُمَّ خَلَقَ جَميعَ الأشْياءِ فَأشْهَدَهُمْ خَلْقَها وَأجْرى طاعَتَهُمْ عَلَيْها وَفَوَّضَ أُمورَها إلَيْهِمْ، فَهُمْ يُحِلُّونَ ما يَشاؤُونَ وَيُحَرِّمونَ ما يَشاؤُونَ وَلَنْ يَشْاؤُوا إلاّ أنْ يَشاءَ اللهُ تَعالى.

ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، هذِهِ الدِّيَانَةُ الَّتي مَنْ تَقَدَّمَها مَرَقَ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْها مُحِقَ، وَمَنْ لَزِمَها لَحِقَ، خُذْها إلَيْكَ يا مُحَمَّدُ ".(1)

وبإسناده عَنِ الْمُفَضَّلِ قالَ: قُلْتُ لأبي عَبْدِاللهِ عليه السّلام: " كَيْفَ كُنْتُمْ حَيْثُ كُنْتُمْ فِي الأظِلَّةِ؟ فَقالَ: يا مُفَضَّلُ، كُنّا عِنْدَ رَبِّنا، لَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ غَيْرُنا فِي ظِلَّةٍ خَضْراء، نُسَبِّحُهُ وَنُقَدِّسُهُ وَنُهَلِّلُهُ وَنُمجِّدُهُ، وَما مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلا ذي رُوحٍ غَيْرِنا حَتّى بَدا لَهُ فِي خَلْقِ الأشْياء فَخَلَقَ ما شاءَ كَيْفَ شاءَ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ أنْهى عِلْمَ ذلِكَ إلَيْنا".(2).

إن الأحاديث المأثورة في طينة أبدانهم، وخلق أرواحهم ونفوسهم، وفيما منحوا من الاسم الأعظم، والعلوم الغيبية الإلهية من علوم الأنبياء والملائكة، ومما هو أعظم مما لا يخطر على بال أحد، وهكذا الأخبار المنقولة في فضائلهم في مختلف الأبواب من الكتب المعتبرة وخاصة كتاب أصول الكافي، إنّ مثل هذه الأخبار كثيرة بقدر تبعث على تحير العقول، ولم يقف أحد على حقائقهم وأسرارهم عليهم الصلوات إلا أنفسهم. وهذا الحديث الشريف الذي بين أيدينا يحتوي على إيمانه لفضيلة واحدة من فضائلهم، وهذه الفضيلة هي آية التطهير التي نزلت حسب الأخبار المتواترة المنقولة عن طرق العامة والخاصة في أهل بيت العصمة عليهم السّلام، والمقصود من أهل البيت في آية (إنّما يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُم الرّجْسَ

ـــــــــــــــ

(1) و(2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ح5 و7.

[ 580 ]

أَهْلَ الْبَيْت) المباركة على ضوء اتفاق الشيعة والأخبار المستفيضة أو المتواترة المأثورة في تفسيرها، هم آل بيت العصمة والطهارة الذين هم يكونون من قبيل توضيح الواضحات.

في بيان حقيقة العصمة:

لقد فُسر " اَلْرجْسِ " في هذا الحديث الشريف وأَحاديث أخرى، بالشك، وفي بعض الأحاديث بالعيوب بأسرها فهم مطهرّون عنها. وتبين من الشرح لبعض الأحاديث السابقة، إن نفي الشك يستلزم، نفي العيوب القلبية والقالبية، بل يستلزم العصمة، لأنها - العصمة - أمر على خلاف الإرادة والاختيار، وإنها لا تكون من الأمور الطبيعية والجبلّية، بل هي حالة نفسية، وأنوار باطنية تتفجّر من نور اليقين الكامل والاطمئنان التام.

إن مصدر جميع الخطايا والمعاصي التي تصدر من الإنسان، هو النقص في اليقين والإيمان، وإن مراتب اليقين والإيمان مختلفة على مستوىً لا يمكن عدّها وبيانها. وإن اليقين الكامل للأنبياء والاطمئنان التام الذي يحظون به، الحاصلان من المشاهدة الحضورية هو الذي يعصمهم من الآثام. إن يقين الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام قد أبلغه إلى مستوى يقول (وَالله لَوْ أُعْطِيتُ الأقالِيمَ السَّبْعَةِ بِما تَحْتَ أفْلاكِها عَلى أنْ أَعْصَى الله في نَمْلَةٍ أسْلُبُها جَلْبُ شَعِيرةٍ ما فَعَلتُهُ).(1)

وملخص الحديث أن زوال الشرك والشك والتطهير من أرجاس عالم الطبيعة وخبائثها ومن ظلمات التعلق بغير الحق تعالى شأنه، وكدر الإنية، وإزاحة الحجب الغليظة من القلب والحاصلة من الأنانيه والتوجّه إلى غير الحق سبحانه. إن هذا الابتعاد والتطهير، يجعل صاحبه حسب الإرادة الأزلية، من الأنوار القدسية الإلهية، والآيات التامة الربوبية، والخالصين المخلصين لله سبحانه، كما أنه مثل هذا الإنسان يحقق مقاماً رفيعاً لا يمكن إخضاعه للوصف والبيان، ولا تنال أيادي

ـــــــــــــــ


(1) نـهج البلاغة، الخطبة 224.(الشيخ صبحي الصالح).

[ 581 ]

الآمال قمة جلاله مثله مثل عنقاء مُغرب(1) غيب الهوية. نصف بيت شعر: أيها الصياد، إسحب الفخ فإن أحداً لا يستطيع أن يصطاد العنقاء.

فصل

في بيان أن الإيمان لا يوصف

اعلم أن الإيمان أيضاً من الكمالات الروحية، التي قلما يدرك أحد حقيقتها النورية، حتى أن المؤمنين لم يعرفوا شيئاً عن نورانية إيمانهم، والكرامات التي تنتظرهم لدى ساحة قدسه المتعالي، ما داموا في عالم الدنيا، وظلام الطبيعة.

إن الإنسان نتيجة عيشه في هذا العالم، واندماجه مع الظروف السائدة، وأنسه بالعادات الجارية يقارن جميع نعم وكرامات ذلك العالم أو عذابه وخذلانه مع آلاء وآلام هذا العالم المُلكي، فيقيس الكرامات التي وعد الحق المتعال المؤمنين، والعطايا التي ذخرها لهم، حسب ما حدّث عنها الأنبياء عليهم السّلام، بهدايا السلاطين والأجلاّء، إلى الناس أو يعتبرها، أحسن وأفضل بقليل، ويفترض تلك النعم الأخروية مثل نعم هذا العالم أو ألطف وأمتع بقدر يسير. مع أن هذه المقارنة من القياس الباطل.

إننا لا نستطيع أن نتصور نعم ذلك العالم ورَوْحه وريحانه، ولم يخطر على قلوبنا مثيلها. إننا لا نتمكن أن ندرك بأن جرعة من ماء الجنة تحتوي على كل اللذات المنظورة الممكنة، وأَنَّ كل لذّة تفترق عن لذّة أخرى، كما أن كيفية كل لذّة لا تضاهي اللذات الموجودة هنا.

وفي هذا الحديث الشريف، ذكر لكرامة من كرامات المؤمنين التي لا تقاس لدى أصحاب المعرفة وأرباب القلوب، بأي شيء آخر، ولا تدخل في أي ميزان ومقياس، وهي: " وَإنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَلْقى أخاهُ فَيُصافِحُهُ، فَلا يَزالُ اللهُ يَنْظُرُ إلَيْهِما ".

ـــــــــــــــ

(1) العنقاء المُغرب، وعنقاء مُغرب ومُغربة على النعت، وعنقاء مُغرب على الإضافة، طائر معروف الاسم، مجهول الجسم(أقرب الموارد - مادة عنق - المترجم).

[ 582 ]

وفي الروايات الكثيرة إشارة أيضاً إلى هذا المضمون ففي الكافي بإسناده عن أبي جعفر عليه السّلام قال: " إنَّ الْمُؤْمِنَينِ إذَا الْتَقَيا فَتَصافَحا، أقْبَل اللهُ تَعالى عَلَيْهِما بِوَجْهِهِ وَتَساقَطتْ عَنْهُمَا الذَّنُوبُ كَما يَتَسَاقَطُ الْوَرَقُ مِنَ الشَّجَرِ".(1).

إن الله سبحانه وتعالى يعلم ما ينجم من توجه الحق المتعالي وإقباله سبحانه بوجهه الكريم على المؤمن عند مصافحته لأخيه المؤمن من النور والكرامة، ومن ارتفاع الحجب التي بين العبد المؤمن ونور جمال ذاته المقدس، ومن العنايات الربانية التي تنزل على المؤمن وتنجده. كن لابد من معرفة السر الواقعي والنكتة الحقيقية التي تبعث على هذه الكرامات وعدم الغفلة عنها كي ينتبه القلب إليها ويصير عمله كاملاً ونورانياً بها، وتُنفخ في العمل الروح والنفخة الإلهية. وتلك، النكتة الحقيقية والسر الواقعي هو: تحكم الود والمحبة في الله، وتجديد عهد الأخوة في الله. كما أبدت أحاديث مباركة اهتماماً كبيراً بهذا السّر. وقد أشير إلى هذا الموضوع في الأحاديث الواردة في المصافحة أيضاً. ففي الكافي بإسناده عن أبي جعفر عليه السّلام قالَ:" إنَّ الْمُؤْمِنَيْنَ إذا الْتَقَيا وَتَصافَحا، أدْخَلَ اللهُ يَدَهُ بَيْنَ أيْدِيهما فَصافَحَ أشَدَّهُما حُبّاً لِصاحِبِه".(2).

وفي رواية أخرى عن إسحاق بن عمّار قَالَ: دَخَلْتُ عَلى أبِي عَبْداللهِ عَلَيهِ السّلام - إلى أن قال - أَو مَا عَلِمْتَ أنّ المُؤْمِنينِ إذا الْتَقَيا فَتَصَافَحا أنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلّ الرَحْمَةَ عَلَيهمَا فَكانَتْ تِسْعَةُ وَتِسْعينَ لأشَدِّهِما حُبّاً لَصاحِبه فَإذا تَوافَقا غَمَرَتْهُما الْرَّحْمَة(3) والحمد لله أولاً وآخراً.

ـــــــــــــــ

(1) و(2) أصول الكافي، المـجلد الثاني، كتاب الكفر والإيـمان، باب المصافحة، ح4 وح2.

(3) أصول الكافي، المـجلد الثاني، كتاب الإيـمان والكفر، باب المصافحة، ح14..

[ 583 ]

 

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست