إزالة حبّ الدنيا
نشر من قبل الحكمة في 06:28 صباحا - 09 04 1439 هـ (27 12 2017 م)

إنّ الله سبحانه وتعالى لا يجمع في قلبٍ واحدٍ ولاءين، ولا يجمع حبّين مستقطِبين, فإمّا حبُّ الله، وإما حبّ الدنيا. أمّا حبُّ الله وحبّ الدنيا معاً فلا يجتمعان في قلب واحد، فلنمتحن قلوبنا، لنرى، هل تعيش حبَّ الله سبحانه


تفاصيل الخبر

إزالة حبّ الدنيا

تمهيد1

إنّ الله سبحانه وتعالى لا يجمع في قلبٍ واحدٍ ولاءين، ولا يجمع حبّين مستقطِبين, فإمّا حبُّ الله، وإما حبّ الدنيا. أمّا حبُّ الله وحبّ الدنيا معاً فلا يجتمعان في قلب واحد، فلنمتحن قلوبنا، لنرى، هل تعيش حبَّ الله سبحانه وتعالى، أو تعيش حبَّ الدنيا، فإن كانت تعيش حبَّ الله, زدنا ذلك تعميقاً وترسيخاً، وإن كانت - نعوذ بالله - تعيش حبَّ الدنيا، فلنحاول أن نتخلّص من هذا الداء الوبيل، ومن هذا المرض المهلك.

درجات الحبّ

إنّ كلّ حبّ يستقطِب قلب الإنسان يتّخذ إحدى درجتين:

الدرجة الأولى: أن يشكّل هذا الحبّ محوراً وقاعدةً, لمشاعر وعواطف وآمال وطموحات هذا الإنسان، قد ينصرف عنه في قضاء حاجة، في حدودٍ خاصّة، ولكن سرعان ما يعود إلى القاعدة، لأنّها هي المركز، وهي المحور، فقد ينشغل بحديثٍ، وقد ينشغل بكلامٍ، وقد ينشغل بعملٍ، أو طعامٍ، أو شرابٍ، أو بعلاقاتٍ ثانويّة، أو بصداقاتٍ، لكن يبقى ذاك الحبّ هو المحور.

الدرجة الثانية: أن يستقطب هذا الحبّ كلّ وجدان الإنسان، بحيث لا يشغله شيء عنه على الإطلاق، فيرى محبوبه، وقِبلته، وكعبته، أينما توجّه، فأينما توجّه سوف يرى ذلك المحبوب.

وينطبق هذا التقسيم الثنائي على حب الله تعالى، كما ينطبق على حب الدنيا.

درجات حبّ الله

تتجلّى هاتان الدرجتان في حب الله، في طريقة حب المؤمنين والأولياء لله تعالى:

الدرجة الأولى حب المؤمنين لله: إنّ المؤمنين الصالحين الطاهرين، الذين نظّفوا نفوسهم من أوساخ هذه الدنيا الدنيّة، هؤلاء يجعلون من حبّ الله محوراً لكلّ عواطفهم ومشاعرهم وطموحاتهم وآمالهم، قد ينشغلون بوجبة طعام، بمتعةٍ من المتع المُباحة، بلقاءٍ مع صديق، بتنزّه في شارع، ولكن يبقى هذا هو المحور الذي يرجعون إليه بمجرّد أن ينتهي هذا الانشغال الطارئ.

الدرجة الثانية حب الأولياء لله: وهذه الدرجة التي يصل إليها أولياء الله من الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، عليّ بن أبي طالب عليه السلام الذي قال: "ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله معه وقبله وبعده وفيه"2، لأنّ حبّ الله في هذا القلب العظيم، استقطب وجدانه إلى الدرجة التي منعه من أن يرى شيئاً آخر غير الله، حتّى حينما كان يرى الناس، كان يرى فيهم عبيد الله، حتّى حينما كان يرى النعمة الموفورة، كان يرى فيها نعمة الله سبحانه وتعالى، كان يتجسّد هذا الربط بالله دائماً وأبداً أمام عينه, لأنّ محبوبه الأوحد، ومعشوقة الأكمل، وقبلة

آماله وطموحاته، لم يسمح له بشريكٍ في النظر، فلم يكن يرى إلّا الله سبحانه وتعالى. حتى الأمور المتعلّقة بالدنيا يجعلها في مسار حب الله سبحانه فإنّ الطعام والشراب والنوم يجعلها من أجل البقاء على قيد الحياة والتقوّي على عبادته سبحانه.

درجات حبّ الدنيا

نفس التقسيم الثنائيّ يأتي في حبّ الدنيا أيضاً، الذي هو رأس كلّ خطيئة، فحبُّ الدنيا يتّخذ درجتين:

الدرجة الأولى: أن يكون حبُّ الدنيا محوراً للإنسان، وقاعدةً له في تصرّفاته وسلوكه يتحرّك حينما تكون المصلحة الشخصيّّة في أن يتحرّك، ويسكن حينما تكون المصلحة الشخصيّة في أن يسكن، يتعبّد حينما تكون المصلحة الشخصيّّة في أن يتعبّد، وهكذا، الدنيا تكون هي القاعدة، لكن أحياناً أيضاً يمكن أن يفلت من الدنيا، فيشتغل أشغالاً أخرى نظيفةً وطاهرة، فقد يصلّي لله سبحانه، وتعالى، وقد يصوم لله سبحانه وتعالى، لكن سرعان ما يرجع مرّة أخرى إلى ذلك المحور، وينشدّ إليه، فهي فلتات، يخرج بها من إطار ذلك الشيطان، ثمّ يرجع إليه مرّة أخرى.

الدرجة الثانية: وهي الدرجة المهلكة، حيث يعمي حبُّ الدنيا هذا الإنسان، يسدّ عليه كلّ منافذ الرؤية، وحبّ الدنيا في الدرجة الثانية يصل إلى مستوى بحيث إنّ الإنسان لا يرى شيئاً إلّا ويرى الدنيا فيه وقبله وبعده ومعه، حتّى الأعمال الصالحة تتحوّل عنده وبمنظاره إلى دنيا، وتتحوّل عنده إلى متعة، وإلى مصلحة شخصيّة، حتّى الصلاة، وحتّى الصيام، ومساعدة الناس وكلّ الأمور الراجحة في الشريعة والمحبوبة عند الله سبحانه إذا كانت بنيّة القربة منه، كلّها تتحوّل إلى دنيا، ولا يرى شيئاً إلّا من خلال الدنيا، إلّا من خلال مقدار ما يمكن لهذا العمل أن يعطيه، من حفنةِ مال، أو من كومة جاه، أو لذّة نفسيّة أو ماديّة زائلة واهية لا يستمرّ معه إلّا بضعة أيّام معدودة.

الدرجة الثانية أشدّ هلكة

وكلٌّ من الدرجتين مهلِكة، والدرجة الثانية أشدّ هلكةً من الدرجة الأولى, ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حبُّ الدنيا رأسُ كلّ خطيئة"، قال الإمام الصادق عليه السلام: "مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى يقتله"3، لا تقل: لآخذ هذه الحفنة من الدنيا، ثمّ انصرف عنها، لأحصل على هذه المرتبة من جاه الدنيا ثمّ انصرف إلى الله، ليس الأمر كذلك، فإنّ أيّ مقدارٍ تحصل عليه من مال الدنيا، أو من جاه الدنيا، أو من مقامات هذه الدنيا وشهواتها الزائلة، سوف يزداد بك العطش والنهم إلى المرتبة الأخرى.

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: "من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همّه جعل الله تعالى الفقر بين عينيه وشتّت أمره.."4. هذا الكلام يعني قطع الصلة مع الله، فإنّ ولاءين وحبّين لا يجتمعان في قلبٍ واحدٍ، ومن كان ولاؤه للدنيا فليس له من الله شيء وسيتركه الله ويشتت أمره، لأنّ حبّ الدنيا يُفرغ الصلاة من معناها، ويُفرغ الصيام من معناه، ويُفرغ كلّ عبادةٍ من معناها، ولا يبقى أيّ معنى لهذه العبادات، وذلك إذا استولى حبّ الدنيا على قلب الإنسان. فحب الدنيا رأس كلّ خطيئة ومُنطلق البعد عن الله سبحانه.

ما هي الدنيا المذمومة؟

هنا يجب أن نعرف أيّة دنيا هي الدنيا التي ذمَّتها الروايات، لأنَّ الإنسان هو ابن هذه الدنيا، وهو يحيا فيها ويأكل ويتناسل فيها.. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال"5.

فهل المذموم هو ما نراه أمامنا من المأكل والملبس والمسكن... أم هو شيء آخر؟

الذي يستفاد من القرآن الكريم وروايات المعصومين عليهم السلامأنَّ المذموم من الدنيا، هو الاستغراق فيها والتعلّق بها، بحيث تصبح عائقاً أمام حركة الإنسان نحو الله، وهو ما عبَّرت عنه الروايات بـ "حبّ الدنيا"، الذي لا يعني مجرَّد الاستفادة من الأمور الدنيويّة، بل أن يرتبط القلب بهذه الأمور وتصبح له عُلْقَة شديدة بها، وقد ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "إيّاك وحبّ الدنيا فإنَّها أصل كلّ خطيئة ومعدن كلّ بلية"6.

الدنيا ممرّ للآخرة

من المناسب هنا أن نبحث في حقيقة الدنيا، وهو ما يساعد على توضيح المطلب السابق.

يعتقد الإسلام بوجود عالَمَين: عالَم الدنيا، وهو الذي نحيا فيه، وعالَمُ الآخرة، وهو الذي نصير إليه، وعالَم الدنيا ليس إلَّا مجرَّد ممرّ للآخرة, إنَّها المكان الذي نبني فيه آخرتنا، ونحدّد فيه مصيرنا في الآخرة، ولهذا من يدرك حقيقة الدنيا هذه فإنَّه لن يركن إليها، بل سيعمل للتزوّد منها إلى دار البقاء، يقول الإمام عليّ عليه السلام: "فإنَّ الدنيا لم تُخْلَق لَكُمْ دارَ مُقَامٍ، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً لِتُزَوَّدُوا منها الأعمَالَ إلى دارِ القَرارِ.."7.

نتيجة الرؤية الإسلاميّة للدنيا

إنَّ لهذه الرؤية نتائج عديدة على المستوى العمليّ، وعلى مستوى تزكية النفس، نجملها بأنَّ من يحمل هذه الرؤية، فإنَّه سيسعى جاهداً لإقامة علاقة متوازنة بين أمرين:

1- من خلال الاستفادة من الدنيا للآخرة: وذلك عبر الاستفادة من جميع الفرص المتاحة له فيها، لزيادة أجره وثوابه في الآخرة، لأنَّها الهدف ودار القرار.

فعن ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: "إنَّا لنحبّ الدنيا، فقال لي: تصنع بها ماذا؟ قلت: أتزوج منها وأحجّ وأنفق على عيالي وأنيل إخواني وأتصدق، قال عليه السلام: "ليس هذا من الدنيا، هذا من الآخرة"8.

2- التمتّع بنعم الدنيا: يقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾9.

إنّ الرؤية القرآنيّة للدنيا تبصّر المؤمن بأنّ الدنيا طريق للعبور إلى الآخرة، فلا بأس بالتمتع ببعض رزق الله سبحانه في الدنيا شرط أن لا تُنسي الآخرة، وأن يكون المرجوّ في كل عمل رضوان الله تعالى.

أهل الدنيا وأهل الآخرة

إنَّ الرؤية السابقة تسهم في التمييز بين فئتين:

1- أهل الدنيا: وهم الذين جعلوا الدنيا هدفاً، ورضوا بها، وأصبحوا عبيداً لها، يقول تعالى في وصفهم وبيان مآلهم: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا

وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾10.

إنَّ أهل الدنيا قلوبهم متعلّقة بالدنيا منجذبة إليها، وهذه القلوب لن تكون محلّاً لنور الله تعالى، يقول الإمام عليّ عليه السلام "حرام على كلّ قلب متولِّه بالدنيا أن يسكنه التقوى"11.

2- أهل الآخرة: وهم الذين جعلوا الآخرة هدفاً، وعملوا لها، ولم ينظروا للدنيا إلّا كجسر يعبر بهم إلى دار الآخرة. يقول الإمام عليّ عليه السلام: "الناس في الدنيا عاملان: عامل عمل في الدنيا للدنيا، قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يَخْلُفُهُ الفقر ويأمنه على نفسه، فيفني عُمُرَهُ في منفعة غيره، وعامل عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل، فأحرز الحظّين معاً وملك الزَّادَيْنِ جميعاً، فأصبح وجيهاً عند الله"12.

هوامش

1- قمنا باقتطاع بعض فقرات هذا الدرس من كلمات للشهيد السعيد السيّد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه) من محاضرته المعروفة بحبّ الدنيا.

2- اختلفت عبائر هذه الرواية، فأكثر ما ورد هو "ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله معه، أو قبله. وذكرت مجتمعة كما أوردنا في بعض التحقيقات. يراجع: أمير المؤمنين عليه السلام يدفع الشبهات، مركز المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ج2.

3- الكافي، الكليني، ج2، ص136.

4- م. ن. ج2، ص319.

5- الكليني، الكافي، ج 5، ص 78.

6- الآمدي، غرر الحكم، ص 95، ح 47.

7- نهج البلاغة، خطبة: 132.

8- المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 73، ص 63.

9- سورة الأعراف، الآية: 32.

10- سورة يونس، الآيتان:7 و8.

11- الآمدي، غرر الحكم، ص 192، ح 32.

12- نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 271.

المصدر

 

http://www.almaaref.org