36/01/09 (01 نوفمبر 2014)
القائمة الرئيسية

 

عدد زوار الشبكة
copy html code
البحث في الموقع

دور الأسرة في بناء المجتمع الفاضل 3
بحوث اخلاقيه مكتوبة
دور الأسرة في بناء المجتمع الفاضل 3 


 
القسم الثالث : مبادئ بناء الأسرة الصالحة 

قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ).صدق الله العليُّ العظيم.

         استعرضنا وإياكم في المحاضرة السابقة أهمية بناء الأسرة والدور الكبير للأسرة الصالحة في التقدم الاجتماعي، ونواصل تتمة بحثنا في هذا الأسبوع، من خلال أمورٍ هامةٍ، لابد أن تؤخذ بالحسبان وقد أكدت عليها الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من أهل البيت عليهم السلام ، وهذه الأمور إذا توفرت نستطيع أن نقول أنها تُشكِّل سياجاً، لا يسمح بورود ودخول الخلل إلى الأسرة، ومن أهم هذه الأمور التي يطرحها العلماء:  

 الأول : مبدأ الحب
        إنّ توافر الحب - بين الزوجين وكذلك بين الأب وأفراد أسرته - يُشكل البلسم الشافي لكل ما يحدث للأسرة من خلل، لأنّ الحب قادر على إزالة ذلك الخلل، وبالعكس من ذلك فإنه إذا وجد في الأسرة ما يُنْمي مظاهر البغضاء والشحناء فإنّ الأسرة مُعرضة للتفكك والتشتت ولو بشكل تدريجي. ويشير العلماء إلى أنّ الشخصية السوية - التي تُمثل الرحمة والاستقامة في كل مجتمع من المجتمعات - هي نتاج لأُسَرٍ سوية يسود بين أفرادها الحب، وبالعكس من ذلك نجد أنّ المجرم وغير السوي -طوال التاريخ - نتاج لأُسر يسود في العلاقات بين أفرادها روح البغضاء والانتقام والتسلط وعدم الاحترام للفرد الآخر. ولذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله توكيد على مبدأ الخيرية، يقول صلى الله عليه وآله
((خيركم، خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله))، وهذا المبدأ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمبدأ الحب. 

أثر الحب في العطاء الأسري:
         قد أشرت في الكلمات السابقة على أنّ الحب يشكل القاعدة لمبدأ العطاء دون حدود، أي أنّ من تُحبه تبذل له دون حساب، أما الشخص إذا بدأت تتعامل معه على ضوء الحسابات والمصالح الشخصية فإنّ هذا التعامل لا ينطلق من قاعدة الحب. لأنّ المحب يعطي حبيبه دون حساب، وهكذا الأمر في البناء الأسري، أي أنّ الزوج يُقدم لزوجه ما يستطيع أن يُقدمه دون حساب، وكذلك الزوجة تُقدم لزوجها ما تستطيع تقديمه دون حساب، وهكذا الأب مع أبنائه وبناته، وأيضاً الأبناء والبنات تجاه الأبوين، فكلما كان العطاء كبيراً من كل فرد من أفراد الأسرة كلما ساد جوٌّ من الوئام والمحبة يعطي كأثر طبيعي أو كنتيجة طبيعية تُلازم هذه المحبة ويعطي تقدماً واطراداً ينعكس على كل فرد من أفراد الأسرة، أما إذا ساد مبدأ الانتقام والشحناء والبغضاء فمن الطبيعي أنّ الإنسان يتعرض لعثرات في حياته سواءً كان الزوج أو الزوجة أو أحد الأولاد أو إحدى البنات. فمن يقف مع هذه البنت وذلك الولد إذا لم تكن تسود بينهم المحبة والوئام والعطاء دون حدود ؟!

الثاني : مبدأ التعاون:
          مسألة التعاون الأسري وهي جُدُّ مُهمة وتنبثق من خلال الحب، فالأسرة أشبه بخلية النحل التي يسودها النظام وكل صنف منها يقوم بوظيفته ليتأتى لكل نحلة في هذه الخلية العيش الطبيعي، كذلك الأسرة المثالية، لابد أن يتحقق بين أفرادها مبدأ التعاون البناء الذي يُوصل كل فرد من أفراد الأسرة إلى النمو والرشد الطبيعي، ولا يمكن للزوج أن يصل إلى رشده وإلى كماله دون تعاون بين أفراد أسرته، وهكذا الأمر بالنسبة للزوجة والأبناء والبنات. وحتى تتضح لنا هذه النقطة بجلاء، لننظر إلى عمق التشريع الإسلامي في واجباته تجاه الزوجة في إطار البيت الزوجي، فهو لا يوجب عليها أن تقوم بالوظائف التي تؤديها بشكل طبيعي، فلا يجب عليها أن تطبخ أو أن تغسل الملابس أو غير ذلك مما يرتبط بشؤون المنزل، حتى رضاع طفلها، بل يمكنها أن تأخذ أجرة في مقابل عملها، فهذا يدل على أنّ هذا العمل الذي تقوم به الزوجة له احترام كبير من لدُن الشريعة الإسلامية، وله قيمة ترتبط بمبدأ التكامل في محيط الأسرة.

دور التعاون في التكامل والتماسك الأسري:
        كيف يتحقق مبدأ التكامل في الأسرة ؟  بالتأكيد لو أنّ ثُقل المسؤولية أُلقي على كاهل الزوجة فلن تستطيع أن تُبرمج واقعها المعيشي مع طموحها في أن تتقدم على أكثر من صعيد، فهناك الصعيد العلمي والثقافي والتربوي والروحي والاجتماعي، والشريعة الإسلامية عندما لا توجب على الزوجة القيام بالوظائف المنزلية حتى تجد متسعاً من الوقت، كي ترفع مستواها الثقافي والروحي وتقوم بدورها الاجتماعي. وهذا يتطلب نوعاً من التعاون الأسري ، ولذا، نجد أنّ النبي صلى الله عليه وآله وأئمة الدين والعلماء الربانيين كانوا يُسهمون في القيام ببعض الشؤون المنزلية، فكلما استطاع أفراد الأسرة أن يُسهموا في إضفاء التعاون في الجو الأسري كلما ازداد ذلك الترابط وثاقاً وصلابة وبَعُدَ هذا الجو الأسري عن الانفصام أو التشرذم. ويتصور البعض أنّ مبدأ التعاون بالنسبة للأب يقتصر على إسداء النصيحة والتوجيه فقط، إلا أنّ الأمر ليس كذلك، بل المطلوب من الأب أن يُسهم بعطائه ومشاركته في محيط أسرته، بالإضافة إلى كونه رُبَّاناً للسفينة من خلال إسداء النصح وإعطاء الموعظة، وبهذا التعاون البناء بين أفراد الأسرة يزداد ذلك التماسك ويشتد عُرى الارتباط بين أفراد الأسرة.

 
الثالث : مبدأ النظام:
        النظام في الأسرة يرتبط بما جاء في الشريعة الإسلامية من مبدأ الطاعة والقيمومة للرجل، الذي  يعني وجود رأس هرم ٍ، وتوجد أفراد ترتبط به في تحمل المسؤولية. فكل فرد يُمثل مسؤولية تجاه ما يصدر من ذلك الزعيم في المحيط الأسري، وهذا الهرم له مبدأ الطاعة، أي أنّ على الزوجة والأولاد والبنات أن ينصاعوا خاضعين لتلك التوجيهات والنصائح والأوامر والنواهي الصادرة من الأب، وبالخصوص إذا كان يُمثل رشداً وثقافةً وعلماً، يعني لا ينطلق من العنجهية والتعصب وإنما ينطلق من خلال التقيد بأوامر الشارع والانضباط السلوكي على وفق جادة الشرع الحنيف، فإن الإطاعة لذلك الرُبّان للسفينة تنعكس بآثار إيجابية على الأسرة. أما إذا انفرط عَقد الطاعة أي أنّ الزوجة لا ترى مبدأ الطاعة تجاه الزوج، فسوف يتصدع النظام الأسري وتتفكك روابطه، ولذا، نجد روايات كثيرة ومتعددة عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام
تؤكد على مبدأ الطاعة للزوج، حتى في خروج الزوجة لزيارة أقاربها وصلة الرحم ، الذي وردت فيه الروايات الكثيرة، بل هو من الواجبات الشرعية، إلا أنّ الحفاظ على مسألة النظام والمسؤولية في إطار الأسرة أهم من صلة الرحم . وهذا لا يعني أنّ النظام يقوم على مسألة الأوامر الصارمة، بل ينبغي أن يتسم هذا النظام بشيء من المرونة التي تُحقق أقصى الدرجات في سلم التكامل والرقي للأفراد . ولا بد أن نُؤكد أنّ الزوجة في مجتمعاتنا تُقدم الكثير من القيام بشؤون البيت الذي يمثل ثقلاً وعِبئاً كبيراً عليها، وهذا يتطلب من الزوج أن يُعطي الزخم الكبير من التقدير والحب والحنان لتلك الجهود التي تقوم بها.

 
الرابع : مبدأ الكلمة الطيبة:
        الكلمة الطيبة هي من الأهمية بمكان بالنسبة للزوج والزوجة وأفراد الأسرة من بنين وبنات، والله تبارك وتعالى أكد على أهمية الكلمة الطيبة بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء}، وكذلك نجد أنّ النبي صلى الله عليه وآله جعل الكلمة الطيبة صدقة. فالكلمة الطيبة لها أهمية فائقة في أجواء الأسرة. ومن المؤسف أنّ بعض الأزواج لا يعي دور الكلمة الطيبة، وبالخصوص تجاه زوجته، كما أنّ بعض الزوجات لا تعي أهمية الكلمة الطيبة تجاه زوجها أو تجاه الأبناء. ولذا، نجد في الروايات عن أهل البيت عليهم السلام تأكيدات على أهمية الكلمة الطيبة، فقد ورد في الحديث: ((أيما امرأة قالت لزوجها ما رأيت قط من وجهك خيراً فقد حبط عملها))، أي أنّ تلك الأعمال التي جاءت بها تكون كما جاء في القرآن الكريم:
( كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ) ،فقد تُقدم الزوجة الكثير لزوجها ولأبنائها ولكن تُفسد ما قدمته بكلمة واحدة، وأيضاً الزوج، فقد يُقدم الكثير ويبذل قصارى جهده في سبيل إسعاد زوجته وأولاده ولكن تصدر منه كلمات نابية وغير منضبطة لزوجته فيحبط الله أعماله، لأنّ الأعمال هذه بالضبط كالورد إذا ذَبُل لن تُحس بجماله ولن تُدرك تلك الأناقة وذلك الجمال الذي يتصف به الورد، لأنّ جماله يرتبط بغضاضته، وكل أعمل الخير لا تكون غضة وطرية مع الكلمات النابية وغير المسؤولة إذا صدرت من أحد الزوجين تجاه الآخر أو تجاه أولادهما.

 الخامس : مبدأ المرونة والتسامح:      
 
         مسألة المرونة والتسامح لها أيضاً أهمية كبيرة في شَد أواصر الألفة بين أفراد الأسرة، ولكن الكمال لله تعالى، فكل إنسان معرض للخطأ ولكن الذي يستطيع أن يتجاوز الآثار السلبية للأخطاء هو ذلك الإنسان الناجح الذي يتعاطى بمبدأ المرونة والتسامح تجاه الأخطاء، وبالخصوص التي تصدر من بعض أفراد الأسرة، فيعالجها بروية وعقلانية تُسهم في إبدال ذلك الخطأ إلى صواب، ولذلك نجد أنّ بعض الروايات تُؤكد على جانب التجاوز عن أخطاء الزوجة بالصبر وقوة التحمل والانضباط السلوكي وعدم ردود الفعل اللامسؤولة من الزوج تجاه زوجه أو أحد أبنائه، فقد ورد في الرواية ((من صبر على خُلق امرأة سيئة الخلق واحتسب في ذلك الأجر أعطاه الله ثواب الشاكرين))، فهذه الرواية عندما يتأمل فيها الإنسان يجد فيها معاني كثيرة وعميقة. وحتى نفهم هذه الرواية لابد أن نعرف معنى ثواب الشاكرين.
فالإنسان الشاكر هو الذي يستخدم جميع نعم الله تعالى فيما أمره الله به والذي يشير إليه قوله تعالى:
{وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}
،يعني لا يصل إلى مقام الشاكر إلا الأقلون عدداً والأعظمون قدراً. لأنّ هذا المقام لا يمكن أن يصل إليه أي فرد من أفراد الناس، لكونه يحتاج إلى جهد ومشقة وتحمل وعلم، ولكن يمكن للإنسان أن يحقق هذا المقام من خلال بعض الأعمال التي يُؤديها في محيطه الأسري، وذلك بصبره على ما يصدر من أخطاء من لدُن الزوجة أو الأبناء، والرواية عندما تقول (( من صبر على خُلق امرأة سيئة الخلق واحتسب في ذلك الأجر أعطاه الله ثواب الشاكرين ))، فهي تشير إلى أنّ الصبر على خُلق الزوجة هو المصداق الأبرز، لكون كل من الزوج والزوجة قطباً يدور عليه رحى الأسرة، ولا يعني ذلك أنّ الرواية تحصر الصبر والثواب الكبير على صبر الزوج على زوجته فقط، بل كذلك أيضاً من يصبر على أبنائه وما يصدر من سُوء خُلق منهم تجاهه فإنّ الله تعالى يعطيه ثواب الشاكرين، أي أنّ المِلاك والمصلحة موجودة في هذه الرواية بالنسبة للزوجة، وكذلك الأبناء، وهذا يسميه العلماء بتنقيح المناط، فالإنسان يصبر لأنه يحقق الخير والوئام والحب والاستمرار في محيط هذه الأسرة التي تتكون من زوجة وأبناء، وهذا الحب سوف ينعكس على أفراد هذه الأسرة، فيعيشون مبدأ المسؤولية ويصبحون لبَنِاَتٍ في بناء الواقع الاجتماعي في محيطهم.
 نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل الأُسر التي ننتمي إليها تعيش روح الوئام والمحبة والمسؤولية والتغاضي عن الأخطاء.

 
translate this site
chose your language
click trans
  
الوقت الآن
الدخول
الاسم

كلمة السر



نسيت أو فقدت كلمة السر؟
يمكنك الحصول على كلمة جديدة من هنا.
استبيان الأعضاء
مارأيك بالشبكة بعد التطوير؟







يجب تسجيل الدخول للتصويت.
آخر تواجد للأعضاء
الحكمة 03:34:32
مشرف عام 17 أسابيع
السيد كرار 91 أسابيع
المشرف العام 106 أسابيع
Erronryoscito 190 أسابيع
benaelmo 191 أسابيع
vitrya 191 أسابيع
baenals 191 أسابيع
walcfaus 191 أسابيع
jaggche 191 أسابيع

أخر 10 تم تسجيلهم
baenals عضو
vitrya عضو
walcfaus عضو
raffhalt عضو
benaelmo عضو
ipyaple عضو
jawuatt عضو
dorimika عضو
elaulli عضو
charhanf عضو
الزيارات غير المكررة: 10,148,220 وقت التحميل: 0.02 ثانية